مهما حاولت أن ألعن الحزن، يبقى شيئًا لا نستطيع تجاوزه، سنقع فيه بين وقت وآخر، إن القلب ليحزن، ولكنه لا يستقر في الحزن ولا يستكين له، أليس كذلك؟! إننا لسنا كذلك، إننا نحب العيش بمأساوية.

عشنا حياتنا ونحن نحلم بالمأساة، بتلك اللحظات الرومانسية لبطل أحد الأفلام وهو يقارع أحزانه، عشنا ونحن نحلم بالدموع على شيء ذي قيمة.

كانت لحظات سعادتنا الحقيقة عندما نتكلم عن شيء محزن ونرى تأثر الناس من حولنا، كان أصحاب المصائب هم الذين يلتف حولهم الناس، حتى صرنا نحلم بمصيبة على مقاسنا تجعل منّا أبطالًا، لذلك لا تستغربوا حجم المأساة التي تحيط بنا، إنها أحلامنا لا أكثر، تلك الأحلام اللاواعية، بدأت بالتحقق.

هناك من يحبون الحزن كثيرًا، ويسعون لتمثيل أدواره وعيش مأساته، يكرهون الضحكات حدّ الحقد، وهناك من يعتبرها خيانة، إنهم إذا لم يجدوا من يظلمهم، يمثلون أدوار الظلم أو يمارسونه على أنفسهم، وكأنهم يؤمنون بأنه لا بدّ من وجود ضحيةٍ في مكان ما. لكي يعيشوا على أمل نصرتها، وما أتعسنا إن انتصرت، نصير نحن الضحايا، لا لشيء ولكن حبًا للحزن.

إلهي إن كل ما ندركه من الذكريات وكلام الشعراء هو ما يحرض على الدموع، وكأن كل الجمال قد اكتنفته عينا امرأة حزينة، نسترجع الماضي لنحس بالألم فقط. لنبكي الأيام الجميلة، لا لنعتبر، ونتعلم، ونصنع مستقبلا سعيدًا، يا إلهي كم نحب تربية الأحزان، نطعمها من قلوبنا، ونعيدها، ونتذكرها، ونحكيها وكأنها أجمل ما عشناه.

يا إلهي عليك بأقوام يعتقدون بجمال الحزن، ويُبكوننا دائمًا، إلهي أفرحهم حتى يتركوا الحزن، أو اقفل على قلوبهم التي لا تمل من الشكوى، ارزقهم عملًا ينسيهم أحزانهم، كم أكره عبيد الحزن يا إلهي!

ألم يمض ذلك الحزن، لماذا نراهم قابعين عنده لا يغادرون؟، لماذا نحب الشعور بالشفقة، وباهتمام الناس عبر إثارة أوجاعهم؟ ألم يجدوا طريقة يحظون فيها باهتمام الناس سوى بإثارة أحزانهم واستعطاف مشاعرهم؟

لماذا نكرر كل أحزان الأرض وكأننا الموكلون بالدموع؟

إلهي، ألم تجعل النسيان نعمة؟ لماذا لا ينسون؟ كيف سنأخذ بالثأر ونحن نبكي؟

إلهي، أليس ثأرنا بحاجة لمزيد من الدماء، لماذا يخوفوننا من الموت بدموعهم؟

إلهي، إني أشهدك أني بشر، والبشر يحزنون، ولكنني أنسى سريعًا، فلا تضع بطريقي أولئك الذين يحترفون هدم جدران الذاكرة.

إنني لا أحبهم، هم ليسوا عبيدك الذين حدثتنا عنهم، ألم تقل: لا خوف عليهم ولا هم يحزنون؟! إلهي اجعلنا جميعًا هكذا، سرعان ما ننسى، سرعان ما نثأر، وسرعان ما تجف دموعنا ونبدأ من جديد. إلهي إنني أعلم أن القلب ليحزن والعين لتدمع، ولكنني سمعتك تقول: (وبشر الصابرين)، فهل البكاء الطويل والندب العليل من الصبر؟!

إلهي أنهم لا يفعلون شيئًا سوى البكاء وإزعاج من حولهم لطول بكائهم، فخذهم إليك، فإنني أؤمن أن الابتسامة صدقة، وأنك تحب العاملين، فحوّل الدموع يا إلهي إلى حبات عرق من الجهد والبذل، وحوّل الحزن إلى شعلة للانتقام، فالثأر حق كما أخبرتنا، ولا يستطيع الأخذ به من يركنون للشكوى.

إلهي اترك لنا من الحزن فقط بمقدار ما نشحذ به الهمم، ونقوي به العزائم، فإننا نحب أن نحيا،

إلهي استجب لي، وأعدك أنهم سينتصرون جميعًا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد