يظلُّ كل شخصٍ منّا يوهمُ نفسه بالقوّة والتماسك والشجاعة حتى يواجَه بعكس ذلك، حين يُسيطرُ عليه ضعفه، وقتها فقط يتمكّن من تقدير حجمه الحقيقي أمام حجم خوفه وضعفه وهشاشته.

الخوف الذي يجعلُك تنامَ خمس عشرة ساعة في اليوم فقط لتتفادى مواجهة ما عليكَ مواجهته، لتستيقظ وتجد أن كُل شيءٍ ما زال على حاله، وأن خوفك لم يهدأ وضعفك لم ينقُص، وقوّتك لم تُستعَد بعد.

ستدرك حينها «أنّ الحياة لا تسيرُ كما يُرام متى أردنا منها ذلك، وأنّها لا تطيبُ لمن لا يُبالي كما أخبروك، وأن الحياة تحتاجُ إلى كُل المبالاةِ الممكنة بسفاسف التفاصيل، كضي العين واتساع الحدقة، وعدد الشعرات البيضاء، وتغيُّر صوت مواء القطةِ الرمادية، وانحسار الغيمةِ الأولى، وتوقّف الأرجوحةِ، وزاوية ضحكتها، وانقضاءِ الصيف، وانقطاع أخبارهم، واتساع الحفرة على جانب الشارع وتوقف المطر».

 الغريب في الأمر أنه إذا ما أخبرنا أحدهم أنه يعاني مما نعانيه ويشعر بما نشعر به من خذلان وضعف وخوف فإننا نردد على مسامعه ما نريد أن نخبر به أنفسنا ونظل نردده بصوت مرتفع، نوجه إليه النصائح التي نحن بحاجة لسماعها والغرابة هنا تكمن في أن الأدوار التي نقوم بها في حياةِ الآخرين لا نستطيع أن نقوم بها في حياتنا، حتى كل النصائح والبهجة التي نزُفّها إليهم، لا تلبث إلا أن تتركنا.
والمُتعِبُ في الأمر أيضًا أن الوجه الفولاذي الظاهر منّا عكس الباطن بنا. وهي معضلة لا يعرفها الجميع، لا يعرفها إلا من يقترب. والأصعب أننا لا ندع أحدًا يقترب.
ندعو الآخرين للبهجة، ونهابُها، نتحادث معهم طوال اليوم، ونبكي وسائدنا ليلًا.
أليس هذا نِفاقًا؟! صدقًا لا أدري. ولكن إن كان كذلك حقًا أتمنى أن لا يعاقبني الله عليه.

وبرغم كل ما بك من ضعف وخذلان ستستمر في التظاهر أنّ كُل شَيْء على ما يرام، أن كُل الحوائط سليمة لا شروخ فيها، ستُداري كُل شرخٍ يكشِف عن نفسه بلوحةٍ تُناسبُه حجمًا وقيمة، حتى لا تعود ترى لونَ دهان حوائطك من تلاصُق اللوحات فوقها، ستتوارى خلفَ الضّحكات، والأحاديث العاقلة جدًا، الحكيمةِ جدًا، وستنثُر فلسفتك عن السعادة والمُضي قُدمًا والمغامرات الجديدة والتجارب، وستُخفي خوفك الذي يحاول أن يتسلل من أي شرخٍ في الحائط، ستُداري خوفك من التلاشي من عالمهم، وخوفك من الخطو نحو عالمٍ جديد، وخوفك من الحياة التي لا تعرفها، وخوفك من الخطوات ذاتها، وتستبدلُ بكل ذلك سُخريتك المُعتادة، وصلابتك المعهودة.
ستستمرّ في التظاهر أنّ كُل شَيْءٍ على ما يرام، وأن شيئًا لا يَحْدُث في داخلك، ما دُمتَ قادرًا على ذلك، وما دامت كُل الشروخِ قابلة للإخفاء. ثم سيُفلتُ منك شرخٌ ما ليظهر للعلَن، في رعشةٍ في اليد أو تهدُّجٍ في الصوت. سيُفلتُ منكَ حتمًا، وستشعرُ بالتفاتهم نحوَك وأنتَ تُسارعُ لإخفاءِ الشّرخ المتمرّد، قد تنجحُ مرّةً أو مرتين لكن شيئًا ما سيظهرُ في النهاية، شيئًا يخبرُ أنَّكَ رُبّما لستَ على ما يُرام كما تدّعي.

أنت تعلم جيدًا أنك لست بخير من البداية لكن لا تريد من أحد التدخل ربما كان ذلك بسبب الشعور الذي لا يزول بأنّ شيئًا ما ينقُص اللوحة، لونًا ما، لونًا مهمًّا، وأنّ الزحام من حولك لا يكفي وحدَتك. ضحكاتهُم،أحضانهُم، أُلفتهُم، كلّها تُطيّبُ بعضَ العلامات المتروكةِ في الرّوح، لكنّها لا تمحوها.

لكن بعد أن تضل ألف طريقٍ للوصولِ إلى وجهةٍ واحدة، وتدخل مئات الطُرق المظلمة، وبعد أن تصل مرّةً، وتستسلم للوقوع أخرى، وبعد أن تجلس عدّة مرّاتٍ إلى حافّةِ الهاوية، تهز رجلك وتسقط حذاءك لتختبر العُمق قبل أن تستديرَ بنفسك وتعود من حيث أتيت. ستحتاج إلى العزلة لتعيد ترتيب أوراقك وحينها ستدرك «أن لا أحد يملك خارطة طريقك، لكنّك قد تجد من يملُك مصباحًا. كما ستدرك أن لا شيء سيحميك من أن تضِلّ الطريق، و لا شيء سيحميك من التجربة، وبالتبعية من السقوط والفشل المتكرر ولا يجب أن يحميك أحد، أنت لست في حاجةٍ إلى الحماية، أنت فقط تحتاجُ من يمنحك الجُرأة والمصباح، واللهُ كفيلٌ بالطرق وضلالها».

ستتيقن حينها من أن الحُزن «حقّ» تمامًا كالضحك. وأننا نُسلّمُ ما علينا من حقوق لنستلم ما لنا. وأننا ندفعُ ما علينا خوفًا لنتسلَّمَ ما لنا من طمأنينةٍ وسَكينة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

اكتئاب, حزن, خواء
عرض التعليقات
تحميل المزيد