1- توطئة

«وهي العيشة يبقى ليها طعم من غير مشاكل وخناق!».

قالتها سعاد نصر -رحمها الله- في مسرحية «الهمجي» ردًّا على سؤال وُجه لها «طالما مفيش مشاكل مالك بقى؟!».

نقص الحزن ومسبباته أحيانًا يدفعنا للبحث عنه، بل اختلاقه ليشبع هذه الرغبة المُلحة، بدرجة لا تقل -في نظري- من الرغبة في تلبية الحاجة في الحُب والانتماء.

قالت لي صديقة ذات مرة عندما عرضت عليها هذه النظرية «لا يوجد أحد يُحب الحزن»، لكني اكتشفت العكس تمامًا.

2- ماذا نعني بالسادفيليا؟! وما أنواعها؟!

نظرية نفسية أنارت في عقلي، نضجت ببطء داخلي حتى أصبحتُ أمارسها وأميزها بطريقة واعية وغير واعية.

التعريف ببساطة مُركب «ساد + فيليا» فيما يعني حُب الحزن، حلّق التعريف في سماء خيالي أول مرة أثناء قراءتي كتاب «شَربة الحج داود» لـ «د. أحمد خالد توفيق» وتحديدًا فصل بعنوان «باثوفيليا»، يحكي فيه -بواقع خبرته كطبيب- عن أُناس يعشقون المرض، وما يهمنا لدعم نظريتنا هم الفئة الذين يحبونه كي يشعروا أنهم مكافحون يعانون من الآلام صامتين، صامدين كالصخرة يلطمها الموج وتتفتت في هدوء، أو حتى ببوح بالحديث لكن أيضًا ومن هنا بدأت نظريتي في التبلوّر والتكوّن بمعنى ونظرية أعم وأشمل من حُب المرض كما ذكرنا سابقـًا «سادفيليا».

هنا حُب الحزن دائم، عملية دورية يقوم بها الإنسان لإعادة الضبط، يقوم بها الإنسان دون إرادته ويدفعه إليها عقله اللاوعي.

أنا أعشق علم النفس لكن أمقت طريقة تعريفاته، لذلك أعدك أن هذه آخر صيغة تُكتب بهذه الطريقة، لأني لا أُحب أن تُكثر من قراءة ما لا أُفضل.

3- ما دلائل وجودها؟!

أتساءل كثيرًا لِمَ هؤلاء المترفون في بعض أمور الدنيا يقصون عن حياتهم أنها مأساة، ربما الحسد، وربما شعور دفين أن حياتهم جحيم وأنهم أبطال في إكمالها، بعضهم مُضحون فعلًا مثل أرامل أو متعسرين ماديًا، لكن الشعور بهذه البطولة في الحياة مغر للنفس والذات.

أنا لا أخشى الحسد لكني أخشى الطاقة السلبية المنبعثة في فترة الامتحانات، فمعظمها إن لم يكُن جميعها يكون سلبيًّا، هنا ستجد من يقول إنه سيرسب رغم أنه مُجتهد ودؤوب، وهنا من تجد ينشر صورة ساخرة عن الحال المزري للطلبة أيام الامتحانات رغم أن الهيئة –المادية والمعنوية– ليست كما يصف بل تكون جيدة، وكلاهما بجانبهما الإيموشن الضاحك الباكي العجيب.

وتلك الفتاة التي تنشر دائمًا صورًا عن الارتباط والاحتضان والاحتواء و«الهيييح» و«الهاححح» وكُل له استخدامه، عندما ترتبط تقول بسخرية: «يا صغيرة على الهم يا لوزة»،

ما دام الارتباط في ساعته الأولى همًا لِمَ ارتبطي؟! ومن المدعوة لوزة؟! وما شأنها بالأمر؟! ومن أنتم؟!

وأيضًا ذلك الشخص الذي تقص له عن بعض مشاكلك فينافسك في مدى بؤس مشاكله عنك، فيردد دائمًا «أنا أكثر» يا هذا أنا لا أُناطحك أنا أفض ما لا أطيق احتماله من مصائب فلا تنضم إليها، ولا تشير لي أن مشاكلي تافهة وأن لديك الحزن أكثر وأعمق ويقضي على الدهون في منطقة الخصر والأرداف!

و لعلي أتساءل لِمَ قبل الزواج تُعم السعادة العقول وبعدها تنتهي ويصبحون في واقع مُر؟!

وهل الواقع مر حقـًّا؟ أم أن سقف توقعاتهم قد وقع عليهم وتهشمت أماني الفتاة في الحصول على ذلك الرومانسي الذي يصحبها على فرس أبيض أو يجلب لها وردًا؟ وأيضًا أماني الشاب المتعلقة بقبلة الصباح والاهتمام به واحتضان الفتاة من الخلف وهي تقلي أصابع البطاطا في المطبخ حتى تحترق، لِمَ لا يخصصون ساعة في الأسبوع ليرفعوا عن كهولهم سقف التوقعات المُنهدم؟! ساعة تُحقق فيها أُمنيات ما قبل الزواج، بدلًا من الشكوى للأصدقاء والأقارب والأهل عن العيشة التي يتحملونها، بالفعل تكون بعض الضغوطات سببها مشاكل الحياة، لكن أرى أن السادفيليا تتشارك معها.

و الآن سأطرق في بعض الأشياء التي صادفتها في نفسي ربما تجد صدى مواقف مشابهة في ذواتكم.

في أوقات شتى وكثيرة أمر بمشكلة بسيطة، قد تكون مجرد خلاف طفيف لا يُحدث صدعًا بيني وبين المتكلم، لكن إذا بالسادفيليا ترتفع عندي وتتوغل في دمائي وعروقي وتصل لذروتها لُأضخم المشكلة عن قصد لتحدث صدعًا حقيقيًا، كي أعود لفراشي وأنا أجتر جميع الكلمات التي قيلت وكم أنا حزين وبائس ومُضح – إن كان في الأمر تضحية عاطفية أو مادية – وأن اللعنة تركت سبعة مليار من البشر وأصابتني أنا، وعندما يحاول أحدهم أن يُضحكني في وقت السادفيليا مُسيطرة أتمنى أن أصرخ في وجهه قائلًا: «من قال لك أن تسعدني، أنا في وقت الحزن الآن».

تخصيص وقت للسادفيليا خاصة قبل النوم يشعرني بالتوازن حقـًا في الصباح، قد ترى ذلك شيئًا مرضيًا خاصًا بي فقط، لكن سل نفسك بصدق، هل ترى أن وقت الحزن وتضخيمه لا يشعرك بشيء من الرضا والتوازن، في أية مشكلة عاطفية أو عائلية أو مادية؟!

4- عند أي الجنسين تكثر السادفيليا؟!

قد يرى بعضهم -ومنهم النساء- أن الإناث هن مصدر الحزن وهن كتلتها الكبيرة والمنتشرة داخلهن كالفطرة، لكن ببساطة إني أرى الأمر متساويًا، لأن في رأيي النساء بطبيعتهن فضفاضات يحكين كثيرًا عما يُلم بهن، بينما الرجال يميلون للكتم وعدم التكلم إلا في أوقات ضيقة، وهذه ليست قاعدة عامة مطلقة؛ فقد تجد رجالًا ثرثارين ونساء كتومات، لكنه الأغلب الظاهر لي.

ويُمكن أن أبرهن عليها على الجسنين بحالة «مالك؟! مفيش»، إنها الأشهر بين أوساط الشباب، فالحالة تبدأ بسؤال لكن لا تنتهي عند الإجابة.

عند النساء -أغلبهن- ستجيب ألا شيء، ليس لأن لا شيء حقًـًّا لكن من أجل أن تشبع رغبة الاهتمام بعبوسها لديها، ولو أظهرت قدرًا ضئيلًا من الاهتمام الذي يتناسب طرديًّا مع عدد مرات السؤال، وهنا تأتي السادفيليا بهدوء لتلعب برأس الفتاة وتخبرها ألا أحد يهتم بها حتى من تحبه، وأنها لا ترغب في شيء من الدنيا، وأن الدنيا لا تساوي شيئًا، وأن كم هي بائسة دائمًا وتبدأ بجر خيط الذكريات الحزين، وتحيك به ثوبًا من الكآبة القاتمة لترتديه في رأسها طويلًا حتى يُحل الأمر أو تذهب السادفيليا الآن.

وعندما يُسأل الرجل، يُجيب ألا شيء، لأنه يُريد أن يظهر أمام نفسه بالصامد وحامي العائلة من الحزن وأصدقائه من الكآبة والغم، وكأنه إكرامي يبعد الحزن عن كل من يعرفهم، ستقول لي لكن بعضهم يفضفض، سأقول لك ومن قال أن إكرامي يصد جميع الكرات؟!

5- لو صحت النظرية، فهل هي شيء يوصف بالجيد أو غير الضار؟!

في رأيي «السادفيليا» شيء فطري عند الأغلب، ومعرفتها يُحدث فرقـًا في حالة الفرد النفسية، وتخصيص وقت لها سواء بالتفكير بها أو التنفيس عنها صحي جدًّا ومُريح نفسيًّا، لكن مع عامل مهم للغاية، وهو الصدق مع النفس، في أوقات كثيرة أضخم الأمر بيني وبين نفسي من أجل أن تتعاظم لحظة الحزن، لكن بعد انجلائها أُرجع الأمور لنصابها وحجمها الطبيعي، فلو أكثرت التفكير وضخمت وبالغت في الأمر سينقلب لحزن حقيقي من لا شيء لا ينتهي بانتهاء السادفيليا.

في النهاية هذه نظرية أو فلسفة تعامل مع الحزن أو سمّها كما شئت، أردت عرضها للإفادة لأنها بالفعل أفادتني وعمقت تفكيري لذاتي وتعاملي مع نفسي، فأنت عزيزي القارئ من تتلاعب الأفكار في رأسك، الآن أنتظر النقد، فبالنقد نصل للكمال.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

السادفيليا
عرض التعليقات
تحميل المزيد