كثيرة هي الأماكن، ولكن قليلًا منها هو الذي يمتد جسرًا يربط ماضيًا – بعبقه، وسحره، وأصالته – بحاضر يموج بكثير من المتغيرات، تختلط فيه الوجوه، والروائح، وقليلًا ما تختلط فيه القلوب والأرواح. كثيرة هي الدروب، ولكن قليلً منها هو الذي يفضي بك إلى زمان دومًا تراه هو الأجمل.

لعل «سوق الصفافير» العريقة ببغداد عاصمة الرشيد، بأصوات مطارقها، ودروبها الضيقة، المزدحمة، من هذه الأماكن القليلة التي تمتطي فيها صهوةَ الطَرَقَاتِ الصاخبة لتسافر بك إلى هناك، إلى ظروف نشأتها في عهد الدولة العباسية عام (631 هـ)، عندما بنى الخليفة «المستنصر بالله العباسي» المدرسة المستنصرية، ورشة تابعة لها – في بادئ الأمر – لسد احتياجات مطابخها من معدات ومستلزمات وأوانٍ وقدور، ثم بعد ذلك صارت مركزًا ضم الصناع والحرفيين والفنيين، تُصنع فيه كل الأدوات المنزلية التي يحتاج إليها الناس، والتي يُصنع أكثرُها من مادة النحاس، كالأواني المنزلية، وأباريق الشاي، والكاسات والملاعق، وإطارات الصور، والفوانيس النحاسية، وأهلّّ

الجوامع، والنقوش الفنية والقرآنية بالغة الروعة والجمال، على رقاع من نحاس تسر الناظرين، وتخلب لبَّهم، مما جعله أحد أهم المراكز أهمية، وإمتاعًا في هذا المجال.

تزامن إنشاء «سوق الصفافير» – نسبة للصفر (النحاس) بلغة أهل العراق – مع نشأة أسواق أخرى، كسوق الورّاقين، الذي يسمى حاليًا بسوق السراي، وسوق البزّازين، وسوق العطارين «الشورجة».

تبدأ السوق من شارع الرشيد، وهي – على الرغم من امتدادها التاريخي وأهميتها التراثية، وتأثيرها في الحياة البغدادية بشكل كبير – لا تعدو كونها مجموعة من الأزقة الضيقة، بامتداد محدود في منطقة الميدان التراثية، ولها أكثر من مدخل، وفي أوله كانت تقف العربات الصغيرة التي تجرها الحمير أو الحمّالون، وكانت هذه السوق، لا يشغلها إلا «الصفارون»، و«المبيضجية»، الذين يقومون بجلي المعادن حتى تصبح بيضاء اللون، ثم أصبحت مأهولة بعدد كبير من أصحاب الصناعات والباعة، ولا سيما الجهة المتصلة بسوق البزّازين، فلقد اتخذت هناك حوانيت لبيع الأقمشة والخامات.

ظلت «سوق الصفافير» منذ نشأتها وحتى وقت قريب هي المكان الأكثر جذبًا لأفواج السائحين، وقبلة للباحثين، والمهتمين بالتراث العراقي والإنساني، وملتقى لكل هواة الفنون، وعشاق التراثيات، والمقتنيات الفريدة، من التحف والآثار الفنية المقترنة بأشكال وطرائق الحياة البغدادية القديمة.

لن تبذل جهدًا كبيرًا للتعرف إلى تاريخ وذكريات ذلك السوق الأشهر في بغداد، فإذا نظرت للأواني النحاسية، والأدوات المنزلية، المصنوعة، كتُحَفٍ فنية غاية في الروعة والجمال، ستحدثك تلك المصنوعات كيف كان البغداديون حريصين على ارتياد «سوق الصفافير»، ويعدون زيارتها واجبًا مقدسًا، فما من بيت يخلو من أواني النحاس، كما أن على كل عروسين أن يجعلا من «سوق الصفافير» مصدرًا رئيسيًّا للتزوّد بالمواد التي يحتاجها بيت الزوجية، ففرحة العروس وسعادتها بعش الزوجية لا تكتمل، ما لم يكن لـ«سوق الصفافير» حصة في جهازها؛ (فالطشت، والمسخنة، والأبريق، والقدور الكبيرة منها والصغيرة) كانت أشياء أساسية لبيتٍ جديد.

وإذا نظرت إلى المشغولات النحاسية المعلقة على جدرانه، ستُنْبيكَ تلك القطع، كيف كان الصفارون يتفننون في ابتكار تلك المنحوتات، والمشغولات، والتحف، ويتحول النحاس بين أيديهم إلى خيال وفنون، وإبداع وتجسيد، وتتحوَّل المطرقةُ والإزميل إلى فرشاة وألوان؛ يعكف بعض الصناع على الضرب على النحاس بهما نحتًا لزخارف تستلب منك الدهشة والإعجاب، ومنهم من يسلط ألسنة النار على النحاس لإلانته وتطويعه، وتشكيله، ويعكف غيرهم على صقل المنتج بعد زخرفته وتلميعه، أو يلون بعضًا من أجزاء الصفائح المطروقة لتضفي لمسة فنية ساحرة على الأواني، وبعضهم يقوم بطلائها أو ترصيعها بالأحجار الكريمة.

وإذا نظرت إلى هذا الكم الهائل من الفنون، والابتكارات المنحوتة على النحاس، ستحدثك تلك السجلات النحاسية عن زمان كانت فيه أسواق الصين تفتح ذراعيها لتتلقف إنتاج هذه السوق.

ولـ«سوق الصفافير» في ذاكرة أبنائه حكايات يتناقلونها فيما بينهم، ويبثونها للباحثين والدارسين، وأهل العلم والإعلام، تلك الحكايا التي يتذكرها من بقي على قيد الحياة من الصفّارين، منها: أن كتيبة الخيّالة الملكيّة التابعة للحكومة في عهد الملك غازي، كانت تمرّ بمواكبها في هذه السوق، كي تتعوّد خيولها على أصوات الضجيج التي كانت تصدر عن مطارق الصفافير، فلا تجفل من الأصوات العالية إذا حدثت مشكلة ما واستدعت هذه الكتيبة فرسانها.

وأنه كانت من تقاليد الصفّارين الصارمة، في الماضي، إقفال دكاكينهم كل يوم جمعة، وعند وفاة أي عامل من عمال السوق، ولا تفتح في يوم الإغلاق إلا دكاكين الرؤساء بعد إتمام المراسم.

وكيف أنها كانت في الماضي تعج بالناس من مختلف الأجناس والبلدان، ومن شتى طبقات المجتمع العراقي، خاصة كبار الشخصيّات التي كانت تقصد هذه السوق باستمرار لشراء بعض المقتنيات من التحف الفنّية.

رغم أن الصفارين قد حرصوا على إبقاء المهنة متوارثة جيلًا بعد جيل، فلم تخرج الصنعةُ بعيدًا، بل ظلت تترعرع ضمن جدران هذه السوق، إلا أن الناس قد هجروا بضاعته، وأصبحوا يميلون إلى تعليق صحون النحاس على جدران المنزل بدلًا من وضعها على مائدة الطعام، وتحولت أواني سوق الصفارين القديمة إلى «إكسسوارات» أو مكملات زينة لا تخلو منها البيوت، التي راحت تمازج القديم بالحديث من الأثاث والديكور.

وتأثَّرَ بعضُ أصحاب الصنعة بزحف البضائع البديلة لمصنوعاتهم، فهجروا مهنتهم، واستبدلوا بها أخرى، لما رأوا التراجع الواضح لتلك المنتجات أمام بدائلها المستوردة من مصر، والمغرب، والصين، والهند، وغيرها، والتي برغم قلة جودتها فإنها قد تبدو أكثر إغراءً، وأقل سعرًا.

زحف آخر من دكاكين القماش، والمطاعم، بدأ يزاحم الصفارين في سوقهم وانتشرت في السوق بشكل لافت للنظر، مما يهدد ما بقي من السوق بالتراجع، ويهدد بافتراق مشئوم بين المطرقة والإزميل.

فإذا اقتربت من بداية السوق، عند أول شارع الرشيد، على ضفاف دجلة، بين الرصافة والجسر، وتعالت في أذنيك أصوات مطارق النحاس، واستلهمت تجربة الخليل بن أحمد الفراهيدي، في ضبط التشابه بين تلك الطَرَقات، وبين حركات وسكنات التفاعيل العروضية – حين مرَّ من هناك وكانت سببًا في تأسيس علم العروض – فاعلم أنك في بقعة تاريخية، يعتصر بداخلها ألم يسكن تلك النقوش والمنحوتات والصور ، ويتوحد ضجيج تلك المطارق في استغاثة واحدة لعلها تستقر في أذن ووعي خطة أو فكرة جديدة تنقذها من الانزواء، والتلاشي، والانقراض.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد