لا تقوم قائمة للدين ولا يكتمل إيمان المسلم ولا يصلح حال الراعي والرعية إلا بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولذلك قدَّمَ الله في كثير من آياته (الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر) عن الإيمان بالله وعن فرائض جوهرية كالصلاة والزكاة وجعل الخَيْرِيَة في أمة الإسلام بسبب أمرها بالمعروف ونهيها عن المنكر كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ. وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ.

فواجب أداء النصيحة تعلو درجته لتعادل الإسلام كله، قال رسول الله: الدِّينُ النَّصِيحَةُ، فسأله الصحابة: لِمَنْ يا رسول الله؟ قال: لِلَّهِ وَلِكِتَابِهِ وَلِرَسُولِهِ وَلِأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ وَعَامَّتِهِمْ. (صحيح مسلم). فالنصيحة تكون برد الناس وعلى رأسهم الحكام (النَّصِيحَةُ لِأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ وَعَامَّتِهِمْ) لكتاب الله وسنة رسوله (النَّصِيحَةُ لِلَّهِ وَلِكِتَابِهِ وَلِرَسُولِهِ) ليَتَّقوا الله ويتركوا من الأفعال ما يخالف القرآن والسنة ويلتزموا بما يأمران به.

عاقبة ترك (الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر) أَذَانٌ بفساد الأرض كلها

فالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فريضة وليس عمل ترفيهي يقوم به المسلم عند الرخاء فقط، ولا ينهى عن مناكر ويصمت عن أخرى، ولا ينصح جهات ويتغاضى الطرف عن جهات أخرى. وعاقبة ترك هذه الفريضة وخيمة على الفرد والأسرة والمجتمع، تُؤَدي لِلْأُلفة على المعصية واستمرائها، وانتشار الفساد والظلم والفقر والأمراض وانتهاك أعراض ونهب أموال وقتل أنفسٍ بغير حق، وتسلط دول على البلاد وإذلال أهلها، قال رسول الله: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَتَأْمُرُنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلَتَنْهَوُنَّ عَنْ الْمُنْكَرِ أَوْ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْكُمْ قَوْمًا ثُمَّ تَدْعُونَهُ فَلَا يُسْتَجَابُ لَكُمْ. (مسند أحمد)، وتوَعَّد الله التاركين للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر باللعنة: لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوا وَّكَانُوا يَعْتَدُونَ كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَن مُّنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ. (سورة المائدة).

عاقبة ترك (الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر) أذانٌ بفساد الأرض كلها، لذلك سخر الله في كل العصور أناس مؤمنين يدفع بهم أهل الظلم والفساد: وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ. (سورة البقرة).

نصائح مُوَدِّعٍ للحياة

ومن هذا المنطلق (وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر)، نَشَرَ مؤخرًا الشيخ سفر الحوالي كتابًا تحت عنوان: (المسلمون والحضارة الغربية) ضَمَّنَه ملحقًا في آخره يقدم فيه نصائح للعلماء وأخرى للدعاة، والثالثة في حوالي 300 صفحة لآل سعود.

الحوالي أقر في بداية نصيحته لآل سعود حقيقة يدركها المتتبعون للتطورات في السعودية، حيث قال: السعودية على مفرق طريقين لا مناص لها من سلوك أحدهما: (1) إماطريق الإسلام المستلزم نفي أن تكون السعودية دولة علمانية، وهذا ما ننصح به. (2) وإما أن تنضم لركب العلمانية وتُرضي أمريكا وإسرائيل والإمارات. أي إما فسطاط الإيمان، وإما فسطاط النفاق، وإذا اختارت الفسطاط الثاني لا قدر الله وجعلت الإسلام ينسلخ من السياسة الداخلية كما هو منسلخ من السياسة الخارجية، فلنتوقع انتقام الله وغضب الشعب وردة فعله.

وانطلق الحوالي في نصائحه لآل سعود قائلًا: [لا يجدي رفع الإسلام شعارًا بلا تطبيق واقعي. احذروا النفاق ولا تتبعوا الهوى والمصلحة السياسية، فالقرآن صريح كما في سورة (المنافقون) أن المنافقين يقولون بألسنتهم ما هو حق. وكان عبد الله بن أُبَيّ بن سلول يقف على المنبر يوم الجمعة، مثنيا على الرسول حَاثًّا على الإيمان به، لكن ذلك كله لم ينفعه فهو منافق. ولا بد من تصديق الأقوال بالأعمال، أما أن يقول أحد قول أهل الإيمان بلسانه، ومع ذلك يتبع هواه ومصلحته في شرعية حكمه وبقاء كرسيه، فهذا نفاق وضعف في الإيمان ربما أخرجه من الملة. وهكذا فسر السلف قوله تعالى: أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ: هو الذي كلما اشتهى شيئا أتاه، لا يحجزه عن ذلك ورع ولا تقوى. واحذروا الوقوع في شرك الطاعة الذي حذر منه شيخ الإسلام في (الإيمان الكبير)، وبَيَّن أن ضد الطاعة التولِّي، مستدل بقول الله تعالى: وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ، والتولي قرين التكذيب، قال تعالى: فَلَا صَدَّقَ وَلَا صَلَّى وَلَكِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى، وقال ابن تيمية في (شرح العمدة): حقيقة الدين هي الطاعة والانقياد، فالدين عند أهل السنة والجماعة قول وعمل، وليس مجرد شعار أو دعوى. واسترسل قائلًا: أنصحكم ألا تسموا الفساد إصلاحًا كما قال الله تعالى عن المنافقين: وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ.

مما أنكر سفر الحوالي على آل سعود وقدَّم لهم النصح فيه:

  • تواجد قوات أمريكية في السعودية.
  • دعم انقلاب السيسي في مصر، والسياسة المتبعة في اليمن.
  • السماح للنساء دخول ملاعب الرياضة للتفرج.
  • مشاريع البحر الأحمر، وقديّة، ومشروع مدينة نيوم العملاق الذي يمتد بين ثلاث دول هي السعودية ومصر والأردن، والتي تشمل مشاريع سياحية لاستقبال سواح من الغرب وأخرى متعلقة بما يسمى صفقة القرن.
  • اعتبار إيران العدو الأول، وليس أمريكا وإسرائيل، بل التحالف مع الأخيرين ضد إيران. واعتبر الحوالي هذه السياسة أكبر دعم لإيران وللحوثيين في اليمن وحزب الله في لبنان، إذ تجعل الناس يصدقون الشعارات ضد إسرائيل التي يبني عليها هؤلاء شرعيتهم وشعبيتهم. لكن دعا الحوالي أيضًا لجعل الخلاف مع الشيعة عقديًا، وليس سياسيًا، وترتيب العداوة كما رتبها الله والبدء باليهود والباطنية والمنافقين قبل الخوارج والزيدية.
  • التطبيع مع إسرائيل وما يسمى صفقة القرن.
  • إهمال مناطق شاسعة في السعودية وعدم توفير أبسط الخدمات لها، كالمستشفيات، والاتصالات والإنترنت. وفي بعض المناطق يركب الناس الحمير أميالًا كثيرة للوصول إلى أقرب مركز صحي! وفي بعضها لا يزال الناس يعبرون على جسور خشبية يسمونها الصراط! وقال الحوالي بأن بعض ما قبض الرئيس الأمريكي ترامب من آل سعود كان يكفي لإنقاذ تلك المناطق السعودية المهمشة.
  • وقال الحوالي: أن الشيء الذي نتفوق فيه وتتقدم مرتبتنا فيه هو كثرة الحوادث وإدمان المخدرات والتدخين، والتلوث الذي تتفوق به شواطئ جدة، وأن البضاعة التي ننتجها محليًا ولو أبيحت لما احتجنا فيها إلى استيراد هي صناعة الخمور.
  • طالب الحوالي آل سعود بالاستقلال في السياسة الخارجية عن دولة الإمارات التي، حسب تصريحه، تُقَرِّب كل أهل البدع.
  • سياسات آل سعود المتعلقة بالحج، ومنها: جباية الأموال على ماء زمزم، ومنع مسلمين من الحج (كما هو حال القطريين)، وغلاء أسعار الحج والعمرة وإخافة الناس من أدائهما (كخوف بعض المغضوب عليهم من حكام بلدانهم أن تعتقلهم السعودية عند قدومهم للحج أو العمرة وتسلمهم لسلطات بلدانهم كما حصل مع ثلاث ليبيين سنة 2017م)، وإيجاب الحصول على تصريح بالحج أو رخصة إقامة.
  • وذكَّرَ سفر الحوالي بأن خدمة الحرمين ليست شعارًا، بل عمل، ومن ثم طالب بإنشاء مطاعم وفنادق مجانية للحجاج، وطالب بأن يكون تنظيم الحجاج منوط بهيئة إسلامية عالمية من أهل السنة، لا يكون فيها رافضي ولا علماني وليس منوطا بالحكومات كما هو الحال اليوم.
  • مئات المليارات التي حصلت عليها أمريكا من آل سعود تنشئ بها ملايين الوظائف، ليبقى آلاف حاملي الشهادات العليا في السعودية بلا وظائف.
  • محاولة توطيد فكرة أن فلسطين قضية بين الفلسطينيين واليهود، فأكد الحوالي أن فلسطين قضية كل مسلم في العالم، وأن المسلمين أمة واحدة ولا يؤمنون بالحدود التي افتعلها سايكس – وبيكو.
  • انضمام السعودية وباقي البلدان الإسلامية للتحالف الصليبي لمحاربة الإرهاب، الذي اعتبره الحوالي امتداد لاستعمار بلاد الإسلام ولمنع انبعاث الإسلام من جديد. وأن التصنيف اليهودي الأمريكي يعتبر الوهابية مرادفة للإرهاب والسلفية مرادفة للتطرف وداعمة للإرهاب.
  • استنكر سفر الحوالي تسمية الدولة بالسعودية، وأن ذلك يخالف الشرع والواقع، فليس كل الناس من أسرة آل سعود، واقترح تغيير اسم الدولة وتسميتها (المملكة الإسلامية المتحدة) كما اقترحته من قبل لجنة خاصة؛ لأن هذا الاسم جامع تلتئم عليه الأمة.
  • واعتبر سفر الحوالي أن آل سعود ليس من حقهم المُلك لأنهم ليسوا من قريش، وأن المُلك يكون للأتقى من قريش الذي يتم اختياره بالشورى، وينصح آل سعود بالتنازل عن الملك لشخص تتوفر فيه الشروط الشرعية للإمامة. وقال إن الناس هنا إنما يبايعون على الكتاب والسنة لا على غيرها، ولم يبايع أحد أبدًا على العمل بالدستور أو اتباع النهج الغربي، ومن الحيف أن ننظر إلى ما يجب على المحكوم فقط، دون ما يجب على الحاكم أو العكس. واسترسل الحوالي قائلًا: نحن نؤمن بالخلافة الراشدة وليس من ديننا أن يكون الحكم وراثيًا، بل من حق الأمة أن تختار من يحكمها بشروطه الشرعية التي منها الصلاح والعدل والقرشية، وهذا دعوة للجماعة، أما الملك العاض أو الجبري فلن تجتمع عليه الأمة قط، وإنما يجمع الأمة اتباع القرآن والسنة، وبذلك تتوحد في جهادها وعملها كما تتوحد في قبلتها وصومها وحجها.
  • وقال سفر الحوالي لآل سعود: قد جمعتم قادة خمسين دولة لدونالد ترامب، فاجمعوهم لمن هو خير منه وهو الله، وللجهاد وتحرير المسجد الأقصى، وتَفَكَّروا في أنفسكم ماذا جنيتم من إمارات بن زايد، ومصر السيسي وأمريكا ترامب، إلا الخسارة.
  • وطالب الحوالي السعودية بضرورة الانسحاب مما يسمى هيئة الأمم المتحدة، وجامعة الدول العربية.
  • غالب القوانين والتشريعات في كل المجالات ليست منبثقة من الشريعة، وإنما وضعية مستمدة من الغرب.

نصائح الحوالي نسفٌ لشرعية مُلْكِ آل سعود

كان هذا عرض لجزءٍ يسيرٍ من انتقادات ونصائح سفر الحوالي لآل سعود والتي شملت كل المجالات السياسية الداخلية والخارجية، والتشريعية والقضائية، والاقتصادية والمالية والتجارية، والإعلام، والتربية، والبيئة… إلخ.

الحوالي لخص القضية في بلاد الحرمين اليوم كالتالي: القضية ليست كما يظن البعض قضية هيئة للسياحة والترفيه، أو حفلة غنائية أو اهتمام بالآثار الجاهلية، أو تقليص لصلاحيات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أو مجرد تعديل في تعريف التوحيد للشيخ محمد بن عبد الوهاب، أو أن هذا لا يرضى به العلماء أو أهل الدين… إلخ، بل القضية أكبر من ذلك، فهي صراع بين الدين واللاَّدينية، وبكلمة أوضحصراع بين التوحيد والشرك بالمفهوم القرآني لكل منهما، واسترسل قائلًا: وأنا أقول: إن الزحف العلماني يجب مقاومته بكل قوة، وإن علىفسطاط الإيمان واجب ثقيل في هذا الخصوص.

نصائح سفر الحوالي نسفت جملة وتفصيلًا شرعية ملك آل سعود وادعائهم أنهم يحكمون بالإسلام، إنها نصائح مودِّعٍ للحياة قلما تجَرَّأَ عالِمٌ في عصرنا على إسماعها لحاكِمٍ وهو يعيش تحت سلطته وجبروته.

تعنت حكام يدَّعون القُدسية

نصائح الشيخ الحوالي أثارت حفيظة آل سعود ودفعتهم لاعتقاله يوم الخميس 28 شوال 1439هـ، 12 يوليو (تموز) 2018م هو وأربعة من أبنائه.

لا يهم اختلافنا مع الحوالي أو موافقتنا له في كل نصائحه أو بعضها، ولن أحاول تلطيفها لإدانة اعتقاله، ولا تشنيعها لتبرير اعتقاله. لكن الذي يجب إقراره والإيمان به أن لسفر الحوالي ولغيره الحق الكامل في كتابة ونشر ما بدا له دون أن يخشى أية عقوبة (اللهم إلا إذا كان قذفٌ في الأعراض أو إساءة لله أو رسوله، ساعتها تُقدم دعوى لدى محاكم مختصة لتنظر في المسألة). فمجرد مناقشة: هل يحق للإنسان أن يحاسب الحاكم وينتقده يُسقط عنه تلقائيا الإنسانية ويُحَوِّله لمجرد دابة يركبها أسياده، لا حق لها إلا بشيء من العَلَف من حين لآخر حسب ما يحلو للسيد.

فما عدا الله والرسول ليست هناك قداسة وحصانة لأي بشر في الدنيا أيًّا كان – حاكمًا أو محكومًا، غنيًا أو فقيرًا، قويًا أو ضعيفًا – بحيث لا يجوز انتقاده ونصحه ومحاسبته، بغض النظر عن صحة الانتقاد والنصح أو بطلانه، وبغض النظر عن فظاظة أسلوب النصح أو لطفه. فمن حق الإنسان أن يغضب لفظاظة الأسلوب الذي قد يُخاطَب به، لكن ليس من حقه العقوبة عليه. فلستم أحسن مقامًا من الرسول الذي جاءه رجل يقاضيه في بعيرٍ كان الرسول استعاره منه، فأغلظ الرجل للرسول، فَهَمَّ بِهِ الصحابة لزجره، فقال الرسول: دَعُوهُ فَإِنَّ لِصَاحِبِ الْحَقِّ مَقَالًا (صحيح مسلم) (لصَاحِبِ الْحَقِّ مَقَالًا أي يجوز لصاحب حقٍّ طلبه بشدة وقوة).

بأي حق يجعل الحكام في البلدان الإسلامية قداسة لأنفسهم ولسياساتهم ولأنظمة حكمهم، بحيث لا يحق لمسلم محاسبتهم وتقديم النصح لهم؟ وبأي منطق يقبل بعض الناس هذه القداسة ويخضعون لها – طوعًا أو رَهَبًا أو طَمَعًا – ويدافعون عنها، فلا يقتصرون على عدم توجيه أي نقد للحكام مهما اقترفوا من أخطاء ومظالم وجرائم، ولا على التطبيل لهم، بل يتجاوزون ذلك لمحاربة ومهاجمة كل من يتنقد الحكام وينصحهم ويطالبهم بواجبهم في رعاية شؤون الناس؟

تنزيه أي إنسان عن المحاسبة يعني تقديسه، وتقديس بشرٍ لغيره من البشر يعني بداهة فقدان المُقدِّسُون لإنسانيتهم وانحدارهم للدرك الأسفل في سُلَّم الكائنات الحية، ولذلك لا تُستغرب الوحشية التي يواجه بها المُقدِّسُون غيرهم ممن أدرك معنى الحرية والكرامة وانتفض ولو بالكلمة فقط ضد الأشخاص الذين يقدسهم المُقدِّسُون.

محاسبة الناس للحكام ومطالبتهم بقضاء حاجياتهم والحكم بينهم بما يؤمنون به من شرائع، وحصانة كل مواطن من الاعتقال والاضطهاد بسبب ممارسته لحق المحاسبة، هذه وغيرها حقوق وليست مكارم يستجديها الناس من الحكام، فعلى المسلمين انتزاعها نزعًا كما فعلت شعوب الغرب التي انتزعت حقوقها بقوة، فأصبحت تمارس حقها في المحاسبة دون خوف، بل ترغم حكامها على الاستقالة إن ثبت فسادهم. فرئاسة الشعوب تكليفٌ وليس تشريفًا، فمن لم يقم بما نُصِّب من أجله فَقَدَ شرعيته في الرئاسة، هذا من البديهيات التي يقرها العقل البشري السَّوِيِّ ناهيك عن شرع الله. والحكام الذين لم يعوا حتى الآن هذه الحقيقة وتعَنَّتوا واستكبروا حتى عن سماع النصيحة وتجبروا على الناصحين، هؤلاء ستجرفهم سنن الله في خلقه، عاجلًا أم آجلًا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد