تسعي تركيا منذ تأزم المشكلة السورية وظهور مشكلة اللاجئين لإقامة منطقة آمنة (وليست عازلة) في الشمال السوري لتحقيق عدة أهداف:

أولاً استيعاب اللاجئين السوريين سواء أكانوا الموجودين في تركيا حيث يتم ترحيلهم إليها، أم الموجودين في سوريا بنقلهم إليها من بطش قصف بشار لهم. ثانيًا

تدريب المعارضة السورية المعتدلة. وأخيرًا منع إقامة كيان كردي سوري سياسي مستقل في شمال سوريا بما يوزاي الحدود التركية الجنوبية؛ لما يشكله من خطر جيوسياسي على تركيا؛ لخشيتها من إمكانية أن يكون هذا الكيان دافعًا ومحفزًا لحركة استقلال أخرى لأكراد تركيا، أو ملجأ لحزب العمال الكردستانيواستخدام الحزب هذا الكيان كقاعدة انطلاق لعملياته العسكرية ضد تركيا.

 

لقد شهدت الساحة الدولية والإقليمية تطورين خطيرين قد يكون لهما ارتدادات إقليمية على الأزمة السورية، وبالأخص على فكرة المنطقة الآمنة التي تسعىتركيا لإقامتها، خاصة مع تداول الإعلام الفترة الأخيرة عزم تركيا على إنشاء تلك المنطقة قريبًا:

 

التطور الأول هو تفجير باريس وما ترتب عليه من مراجعة دول أوروبا لسياسة استيعاب اللاجئين السوريين، خاصة مع ما يتداول من أن أحد المتورطين في هذا الهجوم دخل فرنسا مع اللاجئين الذين عبروا من خلال تركيا واليونان، وبالتالي فإن فكرة استيعاب اللاجئين في أوروبا في الفترة الاخيرة والقادمة ستتراجع إلى أن تتلاشى بعد هذه الحادثة، وما يمكن أن تفرضه من ضرورة الإسراع في إنشاء تلك المنطقة الآمنة في الشمال السوري؛ لتكون بديلاً للسوريين عن دول أوروبا.

 

التطور الثاني هو إسقاط تركيا للطائرة الروسية لاختراقها المجال الجوي التركي، والمنطقي ألا يكون رد الفعل هو حرب عالمية شرسة بين الدولتين لعدة معطيات: الأول هو انتهاء فكرة الحروب العالمية الشاملة بعد حادثة ضرب اليابان بالقنبلة النووية؛ لأن قيام حرب كهذه يعنى دمار الدولتين بسبب تطور الأسلحة التقليدية النووية، كما أصبحت الحروب الحالية المرتبطة بمصالح الدول الكبرى هي حروب بالوكالة بمعنى حروب الأطراف لا المركز أو بمعنىآخر دعم فصائل إقليمية أصغر تحارب بعضها نيابة عن تلك الدول.

 

الثاني هو انتشار خطر داعش وتمدده جغرافيًا في سوريا والعراق وسيناء، وعملياتيًا في دول عديدة عربية كلبنان وتونس، وأوروبية كفرنسا، وبالتالي مع انتشار خطر الإرهاب عالميًا سيفرض على جميع الدول عامة والكبري منها خاصة المتناقضة المصالح أن تجتمع على هذا التهديد، وهو ما سيدفع تلك الدول لأن تسمو على خلافاتها من أجل مواجهة داعش على الأقل سيمنع قيام حروب بين بعضها بعضًا، فالدول التي تسعى للحفاظ على النظام الدولي الحالي والأخرى التى تسعي لمراجعة هذا النظام وتغييره من الطبيعي أن يتحدوا جميعًا ضد تنظيم كداعش الذي يسعي لهدم أركان هذا النظام من أصله.

 

الثالث هو أن التبادل التجاري والعلاقات الاقتصادية بين البلدين كبيرة جدًا لدرجة تمنع ليس قيام حرب بينهما فقط بل حتى قطع العلاقات الاقتصادية أيضًا، فحجم التبادل التجاري بين الدولتين وصل في (2014) 33مليار دولار، ومتوقع أن يصل في (2020) 100 مليار دولار، كما تعتمد أنقرة على 15مليار متر مكعب من الغاز الطبيعي سنويًا من روسيا، أضف إلى ذلك ما يعاني منه الاقتصاد الروسي؛ بسبب تراجع أسعار النفط، والعقوبات الاقتصادية التيفرضها الغرب عليه بسبب الأزمة الأوكرانية.

 

عطفًا على ذلك يمكن القول إن النتيجة الأهم لهذا التطور هو زيادة الضربات الروسية للمصالح التركية في سوريا، بحيث ستزيد من ضرباتها للمعارضة السورية المعتدلة من ناحية، من ناحية أخرى ستقف حائط صد أكثر من ذي قبل أمام إقامة منطقة آمنة في شمال سوريا باعتباره مطلبًا تركيًا بالأساس.

 

خلاصة القول في الوقت الذي تدفع فيه أحداث باريس نحو ضرورة الإسراع في إقامة المنطقة الآمنة لتكون بديلاً للاجئين السوريين عن أوروبا، فإن إسقاط تركيا للطائرة الروسية سيدفع روسيا لزيادة إصرارها على منع إقامة تلك المنطقة وقدرتها على ذلك نتيجة لتدخلها العسكري المباشر في الأزمة السورية وامتلاكها قاعدة بحرية في طرطوس وجوية في اللاذقية، والتردد الأمريكي بشأن تلك المنطقة، وأخيرًا ما تتطلبه تلك المنطقة من تواجد بري فيها.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

تركيا, روسيا
عرض التعليقات
تحميل المزيد