كن بنفسك كالحياة ترافق الجميع ولا تتمسك بأحد. ربما تعتقد من خلال قراءتك لتلك الكلمات أنها مجرد قسوة قلم أو فراغ كاتب لا أكثر، لكني مؤمن بأن كلًا منا يحتاج إلى من ينبهه من وقت لآخر، وبالتفكير وتدارك المواقف ستتأكد أنه من الواجب ألا تتمسك بمن لا يريدك.

إن من تركك ورحل وهو على قيد الحياة وفي يده كل مقومات البقاء لا يستحق منك أن تضيع وقتًا في تذكره أو حتى بالحنين لذكرياتك معه. اعتبره كمن فارق الدنيا ورحل فأمواتنا لا يعودون وإن أهلكنا أنفسنا من أجل فراقهم. إن أفعال البعض وتعاملهم مع عواطف وقلوب الآخرين باستهتارٍ في بعض الأوقات هو ما يجبر الطرف الآخر على الرحيل دون وداعٍ ودون أن يلتفت لوجودهم، حتى وإن كانوا هم مركز تلك الدائرة التي كانوا يعيشون فيها يومًا ما.

حاول أن تكن كمن أصابته لعنة البرود عند رؤيتهم وإن مرت بخيالك ذكراهم فلا تبالي لها، ولا تهتم لفراقهم كما لم يهتموا لوجودك. فتلك الذكرى لن تؤلم أحد سواك أنت. واعلم أنه ربما أهملوا وجودك لأنك أهنت نفسك فى محبتهم، وربما لأنهم من تلك الأصناف المتكبرة الذين لا يقدرون الآخرين حق قدرهم حتى وإن حنوا عليهم أو تدنوا بمستوى أنفسهم رفقًا وحنينًا بالآخر. فكثير منهم من لا يعلم قيمة ما ملك إلا بعد فقدانه. فيحبون متى أرادوا ويفارقون متى أحبوا ويشتاقون حسب أهوائهم، ويقسون حين تطاوعهم أنفسهم. فكن عزيز النفس ولا تتبع تيار أمزجتهم.

لا تهتم بروعة الأشياء وقدر المحبة في البداية فكل العلاقات جيدة في بداياتها. والبعض فقط من يكمل الطريق إلى نهايته ويظل على معدنة الأصلي ولا تقل محبته رغم كل الظروف. حاول ألا تبالغ في الاهتمام بأحد فتضعه بذلك فوق قدره فيتسلط عليك، ورحم الله القائل سمن كلبك يأكلك. وحينها تأتي صفعة الخذلان دون مقدمات. فانتهاء العلاقات وفراق بعض الناس ليس هو نهاية الحياة، ولولا أن السماء ترعد والمطر يهطل ما نبتت الأرض.

اترك لنفسك مسافة أمان بينك وبين الناس حتى هؤلاء الذين تموت شوقًا لرؤيتهم. فالقلوب تحتاج لمسافة الأمان تلك حتى لا تصاب بأي خذلان يفقدها الثقة فيمن تبقى. وربما لأننا نحن البشر نحب التملك ونسعى إليه بشتى الطرق وما إن حصلنا على المراد تتغير النوايا وتفتر القلوب تجاه هؤلاء الذين تمنينا يومًا أن نكون بالقرب منهم. فمسافة الأمان تلك ستضعك في مكان الممنوع وفي ثقافة البشر كل ممنوع مرغوب. فلن يفتر أحد منك ولن يعاملك بتبلد أو فقدان عاطفة.
ولكني أرجوك ألا تأخذ كلماتي تلك كتدريب على القسوة فلم أنو إلا تنبيهك بأنك تستحق من يقدرك حق قدرك ويحنو على قلبك. لا تهجر أحدًا لكن لا تتوسل لمن أراد الرحيل، فرحيلهم هو قرارٌ قد أخذ مسبقًا وعدت له كل السبل. إن مصارحة أحدهم لك بالفراق، سواءً كان صديقًا أو حبيبًا هو شيء كعفن الخبز أو عطب الموز لا يظهر على السطح، إلا بعد أن يتملك الدواخل كلها.

وكما جاء في كتاب وحين يجمعنا القدر حينما قال المجروح: كنا لا نسأل الله إلا قربهم، ولا نرجو سوى بقائهم في سويداء قلوبنا.  فأصبحنا نسأله أن يجعل المسافة بيننا وبينهم أبعد مما بين السماء والأرض! فكم ترك قربهم بين أضلعنا من الهموم ما لا طاقة لنا بحملها. ومن الأحزان ما لا قدرة لنا على نسيانها. إلا أن يدركنا الله برحمة من عنده. فأنت لا تريد لنفسك هذا الحزن ولا لروحك هذا الانكسار، ولن يحفظك من هذا سوى مسافة الأمان.

أما الشخص المناسب فسيحبك وسيبقى معك مهما طال الطريق ومهما بعدت المسافات أو تزاحمت العقبات. ستراه يحترمك في غيابك قبل وجودك ويعتني بك في كل الأوقات، كما سيجعلك مصدر إلهام له. سيكون ذلك الشخص المناسب كجبيرة لروحك من كل تلك الأيام القاسية التي واجهتها بدونه، وستتبادلون أولويات الوجود في حيوات بعضكما البعض.
وحينها فقط لن تكن ذلك المحب العادي ولا الصديق الافتراضي، بل إنك ستحب وتتقرب من الناس بكل صدق. فلا تجعل نفسك احتياطيًا لشخص ليس لك، فهذا أكبر مضيعةٍ للوقت. ولا تكن حلًا ثانويًا لأحدهم فتلك إهانة لقلبك.

تذكر أنه إن كان من الجدير أن تهتم بقلبك وبما يريد فمن الأجدر احترام كرامتك التي هي فوق كل شيء، وروحك تلك التي لا مثيل لها. وربما كان فراق من لم يهتم بك هو بداية كل جميل فحاول أن تلملم ما تبقى وأن تمضي إلى الأمام. وكما قال جعقر بن محمد لشاكيًا كان يشكو رجلًا عنده: من أكرمك فأكرمه، ومن استخف بك فأكرم نفسك عنه. ألف الله قلوبكم مع من أحببتم وأبعدكم كل البعد عن فراق أحبتكم!

دمتم في معية الله.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد