حدثتني ابنتي ذات يوم إثر مشاهدتها لأفلام الكرتون عن خوفها لمقابلة أسد في أي طريق نسلكه وسألتني عما سيحدث وقتها. لم أُرد أن أقول بأن هذا لن يحدث حيث لا أسود في الطرقات، ولكن فضلت مناقشة الفكرةقائلة:ة «وماذا فعلًا لو أنك وجدتيه؟ ماذا ستفعلين؟».

– سأخاف يا أمي.

= ثم ماذا؟

– سأحاول الهروب ربما.

= ومن أسرع في الجري؟

– الأسد طبعًا.

= إذا ما تخافين منه سيحدث لك.

– وما الحل؟ هل أستسلم من البداية؟

= فرددت سؤالها بسؤال هل هناك طرق أخرى للنجاة؟ فكري.

– الأسد طبعًا أقوى

= إذًا نبحث عن قوة عظمى أكبر منكِ ومني ومن الأسود.

– فما هي يا أمي؟

إنه الله خالق الإنسان والأسود وخالق كل شيء.

فنظرت باستغراب وهدوء وتركت لي مجالًا للحديث أكثر. قلت لها لو هاجمني أسد فإن محاولة الهروب فاشلة لا محالة؛ لذلك فإن الحكمة تقتضي التفكير بشكل آخر، قد أميل إلى الاستسلام ولكن ليس للأسد بل الاستسلام لقوة الله في تحريك الأمور. أولم يقل عز وجل «أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ».

والمضطر هنا تعني من يريد الشيء في التو واللحظة، وهو أيضًا من قال إنه على كل شيء قدير. هل حقًّا نؤمن بذلك أم هي مجرد آيات للترديد نأخذ على كل حرف حسنة وفقط، فهو سر النجاة فوق كل الظروف والاعتبارات.

– وكيف يكون الاتصال يا أمي؟!

= يكون بأي لغة شريطة اليقين فإذا وجدتِ الاتصال ممزوجًا بفزع أو شك فاعلمي أنه بلا يقين. اهدأي واستشعري قدرته وانظري كيف ستسير الأمور. فربما يسوق الله لكِ أحدًا لإنقاذك أو أي حل خيالي تحكيه بعد ذلك ويتعجب منه الناس. المهم أن النتيجة باتت في صالحك أو على الأقل قلت معدلات خوفك ونسبة هلاكك في حالة محاولة الهروب من أسد. ولو أنكِ اتصلتِ بالله قبل خروجك فما وجدتِ الأسد في طريقك.

ومن وقتها حينما تعود ابنتي من المدرسة تشكو زميلًا أو موقفًا أسألها: «هل اتصلتِ بالله وقتها ليلهمكِ الصواب؟» أولم نهزم الأسد من قبل فما حجم هذا الموقف أمام الأسد؟!

وبهذه القصص يتعلم الصغار وكذلك الكبار حيث يقصص علينا الله في كتابه أحسن القصص.

وفي هذا الزخم من الأحداث المأساوية في المجتمعات العربية التي تتعرض فيها المرأة يوميًّا لعنف وتحرش راح ضحيتها مؤخرًا فتاة تعود من عملها ليتربص بها اثنان من المجرمين في سيارة يسحبونها من حقيبتها لترتطم رأسها وتفقد الحياة ثم يذهبان ليتقاسما 65 جنيهًا بدم بارد!

قد نتكلم أو نكتب للتنديد بهؤلاء المجرمين وأسباب وصولهم لهذا المستنقع، لكن الكلام يقف وتتصدر علامات الاشمئزاز الوجوه حينما نجد من يبرر ذلك بأي سبب كان، وهم أيضًا يحتاجون إلى دراسة كيف وصلوا بثقة إلى هذا المستنقع؟!

لن أتكلم عن هذا، ولكن علينا أن نمرر هذا الموقف على عقولنا وكأننا من في الحدث، فما الذي يجب علينا فعله؟ هل سأتمسك بالحقيبة؟ هل سأصرخ؟ هل سأفكر في نجاتي أولًا ثم النيل من الأوغاد؟ وكيف سنتصل بالله في هذا الموقف وكيف سيكون سيناريو الخروج الآمن الأنسب لي؟

إن مرور هذه المواقف على عقولنا مع وضع حل افتراضي لها يجري تخزينه في العقل على أنه خبرة سابقة حقيقية، فإن حدث ذلك فعلًا – لا قدر الله – يستطيع قلبك وعقلك الخروج من لحظات الارتباك إلى الحل بإذن الله.

أختم بقصة سيدنا يوسف المعروفة بلا شك، ولكن سألقي الضوء على آية كريمة توضح لنا أسباب الواقعة وكيفية الخروج. حيث دائمًا ما كان يخاف سيدنا يعقوب على ابنه يوسف، ويأتي هذا الخوف في العقل دائمًا مع استحضار قصص مأساوية حتى فقد فعلاً ابنه وبصره من كثرة البكاء عليه. وحينما عاد أخوة يوسف ليسألوا أبيهم مرة أخرى لإرسال أخيهم الثاني معهم:

«فَلَمَّا رَجَعُوا إِلَى أَبِيهِمْ قَالُواْ يَا أَبَانَا مُنِعَ مِنَّا الْكَيْلُ فَأَرْسِلْ مَعَنَا أَخَانَا نَكْتَلْ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ»

وهنا أرسل يعقوب ابنه معهم ولكن في هذه المرة تعلم من التجربة الأولى واستدعى حفظ الله وهو ما لم يفعله من قبل. ركز معي في الآية:

«قَالَ هَلْ آمَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلاَّ كَمَا أَمِنتُكُمْ عَلَى أَخِيهِ مِن قَبْلُ فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظًا وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ»

فالله هو أصل الأمان.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد