فالقرآن أُنْزِل وَفي بني آدم كافر بما أُنزل، وعلى الرغم من ذلك يَعُمُّ تكريم الله جُلَّ بني آدم ولايستثني أحدًا، فتفضيل الله  لبني آدم على كثير من خلقه لا جُلَّهم هي حرية اختيار الإذعان، يقول الله عز وجل «وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ»، فَمَخلوقات الله قد تشترك مع بني آدم في صفات عِدَّه مِنْ حسن المنظر والهيئة والقوة والضعف والتزاوج.. وغيرها الكثير، لكنها لا تشترك في صفة الحرية هذه الصفة التي تخلت عنها كل مخلوقات الله طوعًا أو إجبارًا، حتى الملائكةُ أُمِروا أنْ يسجدوا لآدم وهم خلق الله، فكان لزامًا عليهم أنْ يَرفضوا! كيف لهم أن يسجدوا لغير الله! لكنْ لله حِكمة ادخرها في علم الغيب عنده جعل الكون بما حوى ساجدًا مُطيعًا مُذَللًا مُسَخرًا للإنسان فمن تَجَّبر على الله وخالف أمره أصابه ما أصاب الشيطان يقول الله عز وجل «وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ قَالَ أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًا. قَالَ أَرَأَيْتَكَ هَٰذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَىٰ يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلًا. قَالَ اذْهَبْ فَمَن تَبِعَكَ مِنْهُمْ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَاؤُكُمْ جَزَاءً مَّوْفُورًا».

إذًا فَمَنْ عصى الله وَسَلَب الإنسان حريته وأَجْبره على الإذعان لَهْ ؛ هو طاغوتٌ مَحشورٌ يوم القيامة في زمرة الشياطين، تنتظره جَهَنم بِلَهِيبِها وسوادها بجزاءٍ مَوْفور ؛ووجب على الإنسان أنْ يكفر بطواغيت بني آدم ويجاهدهم بكل ما أوتي من قوة بالمال والنفس والولد، لا أن يقبل أن يعيش مُستكينا راضيا بالإذعان، وأنْ يُقاتل مِن أجل ما كُرِّم به، فَمن رضي بالذل والتسخير أَصَابَه ما يصيب الطواغيت  من عذاب الله وغضبه، فلولا إستكانته ورضوخه ما وجد الطاغوت مَا يمارس  به عليه  طغيانه يقول الله عز وجل «لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَن يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىٰ لَا انفِصَامَ لَهَا ۗ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ».

يُطَبق سيدنا عمر رضي الله عنه  الفهم الصحيح لتعاليم «لا إله إلا الله» وَيأبى على نفسه إلا أن يكون نموذجًا نَيرًا لتعاليمها، لدى أمير المؤمنين عصا الشرعية المُكْتسبة بِرضا الناس، فيُسكت القيل والقال، بأمر مِنْ طَرَف اللسان، إلا أَنَّه يُوقن أنَّ للإنسان حق السؤال عن مصيره وعن المتحكم في أموره، يَعِي سيدنا عمر أن الله خلق الإنسان حُرًا لا كالأغنام «فمادام المَرْعى للأغنام مُخَضَبًا بِالعُشب فنعم الراعي ونعم الرعية».

خاطب سيدنا عمر عقول الأمة بالحجة والبرهان وبهدي الرحمن، فيقول «فَإِنِّي قَائِلٌ لَكُمْ الْيَوْمَ مَقَالَةً قَدْ قُدِّرَ لي أَن أَقولهَا، وَلَا أَدْرِي لَعَلَّهَا بَيْنَ يَدَيْ أَجَلِي، فَمَنْ عقلهَا ووعاها فليأخذ بِهَا حَيْثُ انْتَهَتْ بِهِ رَاحِلَتُهُ، وَمَنْ خَشِيَ أَنْ لَا يَعِيَهَا فَلَا يَحِلُّ لِأَحَدِ أَنْ يَكْذِبَ عَلَيَّ» يُخاطب أمير المؤمنين محكوميه وَكَأَنَّهم حَكم عليه، فيقول «ثُمَّ إنَّهُ قَدْ بَلَغَنِي أَنَّ فُلَانًا قَالَ: وَاَللَّهِ لَوْ قَدْ مَاتَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ لَقَدْ بَايَعْتُ فُلَانًا، فَلَا يَغُرَّنَّ امْرَأً أَنْ يَقُولُ: إنَّ بَيْعَةَ أَبِي بَكْرٍ كَانَتْ فَلْتَةً فَتَمَّتْ، وَإِنَّهَا قَدْ كَانَتْ كَذَلِكَ إلَّا أَنَّ اللَّهَ قَدْ وَقَى شَرَّهَا، وَلَيْسَ فِيكُمْ مَنْ تَنْقَطِعُ الْأَعْنَاقُ إلَيْهِ مِثْلَ أَبِي بَكْرٍ، فَمَنْ بَايَعَ رَجُلًا عَنْ غَيْرِ مَشُورَةٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ، فَإِنَّهُ لَا بَيْعَةَ لَهُ هُوَ وَلَا الَّذِي بَايَعَهُ تَغِرَّةً أَنْ يَقْتُلَ)» فخضعت قلوب الأمة وأجسادها طوعًا، ودانت لولي أمر الأمة أرضُ الله طَوْعًا.

لا نستطيع أن نغادر مَقَالة سيدنا عمر قبل أنْ نُأَصِّل لطريق دُنيانا مِنهاجًا، يكون بداية وخاتمة الطريق، إنَّ مَا نَطق به سيدنا عمر هديٌ رباني، يتوافق مع فطرة الإنسان التي جُبِل عليها، ورفعت قدره بين أقرانه مِن خَلق الله إنها حرية اتخاذه لقراره قبل أنْ يذعن للمشورة، ورأي الغالبية التي يلتزم بها، لاحتياجه لها وعدم القدرة على العيش وحيدًا، لا تدين قلوب وأجساد بني الإنسان لمتغلبٍ أيًا كانْ، إلا إذا ارتضت القلوب قهرًا أنْ تَتنازل عن حقٍ وهبها لها خالقها، فتحولت إلى ما يشبه الإنسان، إنها طائفة العبيد، هذه الطائفة التي بين الإنسان والحيوان، فهي في عذاب نفسي وبدني، ما استطاعت أن تكون إنسانًا فتنعم بإنسانيتها، ولا حيوانًا فلا تعبأ بما حولها، يقول الله عز وجل «مُّذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَٰلِكَ لَا إِلَىٰ هَٰؤُلَاءِ وَلَا إِلَىٰ هَٰؤُلَاءِ ۚ وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَن تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا».

إِنها القاعدة الربانيه، «فَمَنْ بَايَعَ رَجُلًا عَنْ غَيْرِ مَشُورَةٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ، فَإِنَّهُ لَا بَيْعَةَ لَهُ هُوَ وَلَا الَّذِي بَايَعَهُ تَغِرَّةً أَنْ يَقْتُلَ»هذه القاعدة التي لا يصلح الحديث قبلها عن تقدم الأمم ونهضتها، وأما بدونها فلا يُتَحدث إلا في فساد الأمم وهلاكها، إنها قاعدة زوال الاستبداد السياسي آفة الآفات، وبلاء لا منازع لبلائه في دنيا الإنسان، ويقر هذه القاعدة الربانية سيدنا علي رضي الله عنه الخليفة الراشد، عندما ألزمه المسلمون بتولي الأمر بعد مقتل عثمان رضي الله تعالى عنه، صعد المنبر وقال لهم في خطبته: «يا أيها الناس – عن ملأ وإذن – إن هذا أمركم ليس لأحد فيه حق إلا من أمرتم، وقد افترقنا بالأمس على أمر، فإن شئتم قعدت لكم، وإلا فلا أجد على أحد. فقالوا: نحن على ما فارقناك عليه بالأمس».

ثم ينطلق بنا سيدنا عمر رضي الله عنه ليرتحل بنا مِنْ واقعنا إلى سقيفة بني ساعده، على بُرَاقٍ لا نَشْعر إلا وكَأننا بين الصخب والهمس، وارتفاع الأصوات وسكونها، وصواب القول ولغطه، واقتراح الرأي ونقده، وفن الخطابة وحلاوة الكَلِمْ، والمدح والذم، وعجلة سيدنا عمر في قول الحق، وحكمة سيدنا أبي بكر ورزانة قوله، وتوقير عمر لأبي بكر وإطاعته وهو ليس بولي أمر ولم يبايعه فيقول «فَكَرِهْتُ أَنْ أُغْضِبَهُ، فَتَكَلَّمَ، وَهُوَ كَانَ أَعْلَمَ منى وأوقر، فو الله مَا تَرَكَ مِنْ كَلِمَةٍ أَعْجَبَتْنِي مِنْ تَزْوِيرِي إلَّا قَالَهَا فِي بَدِيهَتِهِ، أَوْ مِثْلَهَا أَوْ أَفْضَلَ، حَتَّى سَكَتَ»  أَدَبٌ رباني بين رجال الجماعة المسلمة لم تعهد الإنسانية قبل الإسلام به عهدًا، وثقة بين الأخ وأخيه، وفهمًا صحيحًا لقول الله عز وجل «ذَٰلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ».

وبيانًا لدهاءٍ سياسي لم تعهد به العرب في مثل هذه الظروف إلا ثناءًا لكل فرقة على أهلها، فيجد الشيطان بينهم سُبلا، فلا يَكون حكمًا بينهم إلا السيف ودم الأخ، لكنَّ تعاليم «لا إله إلا الله» أَنْتجت نموذجًا ربانيًا خالصًا مُجَردًا مِن الهوى مُحْكمًا بِرزَانة العقل ودهاءًا  بريب المَنون، فخرج من فم سيدنا أبي بكر كلمات أسكنت القلوب، وأقنعت العقول فأذعنت الأجساد لهدي الله، فيقول سيدنا أبو بكر رضي الله عنه «أَمَّا مَا ذَكَرْتُمْ فِيكُمْ مِنْ خَيْرٍ، فَأَنْتُمْ لَهُ أَهْلٌ، وَلَنْ تَعْرِفَ الْعَرَبُ هَذَا الْأَمْرَ إلَّا لِهَذَا الْحَيِّ مِنْ قُرَيْشٍ، هُمْ أَوْسَطُ الْعَرَبِ نَسَبًا وَدَارًا، وَقَدْ رَضِيتُ لَكُمْ أَحَدَ هَذَيْنِ الرَّجُلَيْنِ، فَبَايِعُوا أَيَّهمَا شِئْتُمْ، وَأَخَذَ بِيَدَيْ وَبِيَدِ أَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ الْجَرَّاحِ، وَهُوَ جَالِسٌ بَيْنَنَا».

يوقن الجميع يقينًا تامًا، وعلى رأسهم أبو بكر أنْ لَيس في الأمة مَنْ تَنْقَطِعُ الْأَعْنَاقُ إلَيْهِ مِثْلَ أَبِي بَكْرٍ، وَمَن بِمثل أبي بكر فهمًا وتجردًا وحبًا لدين الله وسياسةً لأمور الناس! روى أبو داود في سننه أن النبي – صلى الله عليه وسلم – قال لأبي بكر: «أما إنك يا أبا بكر أول من يدخل الجنة من أمتي» (رواه الحاكم)،  وعن أبي هريرة – رضي الله عنه – قال: قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم – «ما نفعني مال قط ما نفعني مال أبي بكر» (رواه أحمد). فبكى أبو بكر وقال: «وهل أنا ومالي إلا لك يا رسول الله»، وقال عنه الرسول – صلى الله عليه وسلم – «إن من أمن الناس عليّ في صحبته وماله أبا بكر، ولو كنت متخذاً خليلاً غير ربي لاتخذت أبا بكر ولكن أخوة الإسلام ومودته» (رواه البخاري)،  

لكن أبا بكر الصديق رضي الله عنه أبى إلا أن يكون نُورًا لحديث رسول الله، وَسُنةً مُباركةً، يتَسنن بها خلق الله في التجرد وكبح جماح النفس، وتطبيق تعاليم «لا إله إلا الله» تطبيقًا ربانيًا كما أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم، فعن عبد الرحمن بن سمرة رضي الله عنه، قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يا عبدَ الرحمن بنَ سمرة، لا تسأل الإمارة؛ فإنكَ إنْ أُوتِيتَهَا عن مسألة وُكِلْتَ إليها، وإنْ أوتيتَها من غير مسألة أُعِنْتَ عليها». فيصور لنا سيدنا عمر تصويرًا ثُلاثِي الأَبْعاد مجسمًا لتطبيق أبي بكر لحديث رسول الله فيقول «وَقَدْ رَضِيتُ لَكُمْ أَحَدَ هَذَيْنِ الرَّجُلَيْنِ، فَبَايِعُوا أَيَّهمَا شِئْتُمْ، وَأَخَذَ بِيَدَيْ وَبِيَدِ أَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ الْجَرَّاحِ، وَهُوَ جَالِسٌ بَيْنَنَا».

يتبع…

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد