يقف كعادته، الشيبُ يكسي لحيتهُ الطويلة، وجهٌ عبثت به الأيّام، كفٌ خشنٌ، يدفعُ عربتهُ بعد أن جمع البلاستيك من أزقة المدينة الكثيرة، يحدّث نفسهُ:

– ماذا وجدت هنا؟

– لا شيء، منذ وصولي لم أجد الشيء الذي جئت من أجله، الكلام ممنوع، الابتسامُ بالإذن، ترى هل أدرك الإنسان بصفة لا شعورية عجز لغة التخاطب عن التعبير عن أعمق ما فيه؟ حتى الموسيقى مفقودة، وكأني على سواحل جزيرة «كريزويه» المفقودة في الزمان والغائبة عن دائرة إبحار القبطان وفلك النجوم القطبية ورموز الخرائط والمدارات الجوية، بعيدة عن خط الاستواء، خمسون عقدة شرق الأحداث والشخوص وثنائية الخير والشر واليمين واليسار، الشيخ سعيدٌ كان يتأمّل أيّام كان مرحًا تتصاعدُ ضحكاته سنين طويلة وهو يشرب البيرة في حانات «فيينا» مع أصدقائه، اليوم حالةٌ من السكوت الشبيه بالنهاية الأبدية تخيّم على المكان وتجوب الأرض وكأنّها تنتقم، مِن مَن؟، لا أدري، رُبّما نوبة عصبية عابرةٌ ستنتهي بتناول حبّات «الأرطال» والجلوس في زاوية حجب الإنسانية والانتهاء عن التفكير بالماضي والحاضر والأجيال والبلاد والعباد، التركيز فقط على تناغم «السيروتونين» في تفاعلٍ عفويٍ مع مخدّر «الأرطال».

 جميلة حقًّا التجاربُ الكميائية حين تكرّس همّها وشغلها الشاغل لإنتاج «البروزاك» و«الإكستازي»، يقال إنّ ليالي المكان في الشتاء كانت تتعمد البرد، ترى أكان يشعر بقسوة المناخ وهو يعدُّ دراهمه بعد يوم شاقٍ من جمع البلاستيك وقوارير الجعّة وانتظار الصفّ في معمل تدوير القمامة مقابل ستة دنانير لا تكفي حتى لإشعال فتيل الأحلام داخل غرفة حقيرة قرب محطّة «المترو»، لا غرابة أن يبدأ الصُداع بحركة صاخبة كأنها قبضة تضرب على الطاولة، لكن الصرخة لا تنطلق من حنجرة المهموم الثمل المخمور إلا لتصمت ، فالثورة أمام القدر لا تجدي، هو يلعن أيّام كان «عسّاسًا» على أمل أن يزدهر حال البلاد وتنطلق التنمية تجوبُ الأزقة والشوارع والأرياف وتطرق الأبواب معلنة انتصار الأمّة، تمرد مجنون في جوفه، لكنه تمرد عقيم، ككل تمرد على الموت، إنه تمرد لا يعرف كيف ينفس عن غيظه، يلعن الأيّام، ويتحسّر على ليالي «فيّينا» وإشراق الحياة «بجينيف».

يُحكمُ غلق النافذة المُطلة على العشوائية،يلُف بإتقان بارعٍ حشيش القنّب الهندي بعد خلطه مع سيجارة مستوردة رخيصة، وكأنّه موعدٌ مع صاحب نفوذ، الأمرُ يستدعي بروتوكولاً خاصًا، موسيقى «الراي»، الضوء خافت، لينتهي الصراعُ الأبدي بين العُمّال ورؤوس الأموال، الغني والفقير، الفضيلة والرذيلة، الوجود والتنحي، البداية والنهاية لتختفي الحدود الدولية والتقسيمات العرقيةُ، المكان غير محدّد أو يستحيلُ تحديدهُ، يتغيّر حسب كمية «الحشيش» الملفوف، يتحدى أصول الفيزياء التقليدية ويناقش فلسفة «آينشتاين» فالأرض لا يمكن تحديد الإحداثيات فيها باعتماد معادلات حسابية ثابتة، تتقاسم ملامح وجهه مظاهر الفرحة والتعاسة في تناسق نموذجي، تساقط زجاجات «البيرة» يزيدُ من شاعرية الغرفة القذرة، يلف الحشيش مثنى وثلاث ورباع وينسجم مع اللاّوعي المنشود، الهزيع الثالث من ليل تمرّده قد انبلج، ها هو يغتسلُ ويستعدُ ليجول الأزقة والأنهج بحثًا عن قوارير الجعة وقنينات البلاستيك يُمني نفسهُ بستة دنانير يقتني بها «الآرطال»، علّه يعيدُ ليلة أخرى من الغياب عن دُنيا التكرار المشروط.

تُڤرمشُ: بمعنى تأكل بالعامّة التونسية

الأرطال، البروزاك، الإكستازي: أدوية تستعمل عادّة للأمراض النفسية والعصبية

فيينا، جينيف: عواصم بلدان أوروبيا (النمسا وسويسرا)

كريزويه: شخصية القصة المعروفة «روبانسون كريزويه»

السيروتونين: هرمون السعادة

البيرة: نوعية من الخمر

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد