لقد دخل الموسيقار العظيم سيد درويش التاريخ من أوسع أبوابه، وبصم تاريخ الموسيقى الكلاسيكية، تاركًا وراءه «ريبرتوار» توزع بين الغزل والحب والوطنية، فقد شملت أعماله كل المواضيع التي كانت تستقطب المصريين آنذاك. تواسي جروحهم وآلامهم وتحاول أن تحملهم إلى عالم آخر، عالم من الهوى، حيث تختفي فيه معالم البؤس، وكل ما يثير الضيق والحنق. وتمكنت ألحانه من إضفاء طابع الحلم والسحر على أجمل القصائد والأشعار والزجل.

لكن عنوانًا واحدًا صنع الفرق، ولا يزال حيًا إلى الساعة التي أدون فيها كلماتي هذه، غنتها فيروز في أكبر حفلاتها ورددها آخرون من أعمدة الفن الكلاسيكي الجميل، والمفضلة بالنسبة لي هي نسخة علي الحجار. إنها أغنية «أهو ده اللي صار».

قصة الأغنية

ما الذي يجعل أغنية تعيش أكثر من قرن في عالم يتطور على مدار الساعة؟

إنها الرسالة القوية الصادقة النابعة من الأعماق، إنها روح الوطنية والنضال السياسي التي تحملها في طياتها، عكس ما أصبح عليه حال الفن اليوم.

يوجد لبس حقيقة حول صاحب الكلمات، البعض يقول إنه يونس قاضي، وآخرون يجمعون على أنه بديع خيري، وذلك راجع لموقف تعرض له مع وزير الداخلية آنذاك، جعله يقول له:

«تلوم علي إزاي يا سيدنا؟.. وخير بلادنا مهوش في إيدنا؟»

وذلك عقب توجيه الوزير توبيخات له لأنه ما ينفك ينتقد الاحتلال الإنجليزي، وسخر من زيه القفطات الذي رأي أنه لم يكن من صنيعة المصريين. لقد تمكنت هته الطقطوقة من الخلود في دنيا الفن لسبب آخر لا يجب الإغفال عنه، وهو نبوغ درويش الموسيقي، الذي تحول بين المقامات، وهذا من مميزات الأغاني الطربية الناجحة، وكذا استعماله لمقام الكرد، إذ يرى الكثير من المختصين في مجال الموسيقى أنها أعجوبة زمانها وزماننا، والزمان الذي سيجيء بعدنا.

مسلسل مقتبس عن الأغنية

في أولى حلقات  المسلسل، تظهر شخصية سيد درويش، والذي تقمص شخصيته الممثل محمد العمروسي، وبيّن دوره في مقاومة الاحتلال الإنجليزي من خلال أغانيه ومساندته لسعد زغلول في ثورة 1919، ولم يتعمق المسلسل في سرد واقعة الأغنية الشهيرة التي اختارها فريق العمل لتكون اسم المسلسل.

إن الفن عامة عبارة عن قنطرة وصل بيننا وبين عوالم غابرة، وتواريخ مرت عليها السنون، فباستماعنا إلى سيد درويش نستطيع أن نرى عبرها تاريخ مصر وصراعها مع الاستعمار، وكذا العيش البسيط الجميل للحقبة التي لم نعشها، وثقافة لم نحل عليها زوارًا من قبل، فالفن تعبير وتواصل تاريخي.

ولكن ما يحزنني في كل مرة أنصت إلى هذا الأوبريت، أنه بالرغم من مرور دهر عليه يؤسفني أن اقول لك يا سيد درويش إن خير بلادنا «لسة مَهُوشْ في إيدنا»، وخيرات البلاد العربية لا تزال مغتصبة، وأراضي فلسطين لا تزال محتلة، والسعودية تكيد لليمن، والمسلمون أعداء لإخوانهم، والعرب يتقاتلون حول من الأجدر بالسيطرة على الكل. فـ«قل لي عن أشياء تفيدنا» وتفيد عروبتنا وترجع لنا أمجادنا. ولندع اللوم والعتاب جانبًا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد