عن عشرية الجزائر وحرب البلقان

ما أحزن هذه القصة، ما أحزنها! مدينة تسقط، تتداعى، مدينة تتحطم مثل الزجاج بين أيدي هؤلاء الذين يظنّون أنّهم يدافعون عنها.

الجزائر في 1992، وسراييفو في 1993، ومدن أخرى كثيرة مع أرتال المقاتلين والمنذورين للموت والمنفى. * زون _ ماتياس إينار

الأدب كان ولا زال لذاكرة ما بعد العزاء، ذاكرة الظلال والحجارة ذاكرة الحطب المتقد، كفاح بكل قوة ضد الرعب غير المفهوم؛ لتكون الكتابة سببًا للتذكر، أو للتذكير، مرة أخرى ليكون الأدب ضميرًا وصوتًا لئلا ننسى، فالبعض ينكر الضرورة الواضحة للتذكر؟ فأصغ إلي، اعرف أن شيئًا آخر سيبدأ مرة أخرى في مدينة أخرى، وبلد آخر.

200 ألف قتيل كانوا هنا في الجزائر، يزيدون وينقصون حسب الهيئة التي تحصي حسب الجهة التي تسرد. في سراييفو، في البوسنة، لا أعلم، ولا تَعْزِم على رواية سعيد خطيبي أن تخبرك؛ بأن تكون تتابعًا لرصِّ الأرقام تباعًا بعدد الضحايا والجرحى وتصنيفات للأسلحة المستهلِكة للقتلى، وأطنان القذائف والمتفجرات المنهالة على الجزائر أو على سراييفو.

فحطب سراييفو ليست من ذلك النوع الأدب وتلك الروايات المصابة بترهلات يفيض على ورقها حبر مُراق بين صفحاتها، فما الذي سنجده هناك؟ أو ماذا كتب لنا سعيد خطيبي؟ لو سئلت، ستكون إجابتي مختصرة جدًا ومقتبَسة وغير مباشرة؛ كتب عن الأرض والدم (رواية للجزائري مولود فرعون – صادرة بالفرنسية – سنة 1953)، والتي اقتبس منها عن رواية خطيبي: ليس هناك ما يعادل ذاكرة الماضي للتغلب على الحاضر، أو لتذوقه بكيفية أفضل، وفي المقابل لا يصح أن تتأسف على تصوراتنا أو تغيراتنا والتفكير في ما حل بيننا. فهي رواية عن الذاكرة وللذاكرة.

خطيبي كتب حكاية تختصر الكثير عن حقبة التسعينات، وما عاش فيها ليفتح نوافذ من خلال شخوص روايته لنقرأ، عن مصائر عن آلام؛ ما بعد الحرب أو أثناءها، عن الحب وسط الموت؛ حب لن يكتمل، ينقطع لتستمر الحياة، عن اللقاءات المسروقة وسط الخوف، والوصلِ بعدها، عن الفِراق الذي يفجعنا، عن الآلام التي تخرسنا، عن هتك الطفولة ووأد صوتها للأبد ليستمع الكل لآلام صمتها، يستنطق ذاكرة التاريخ حتى وإن أصابتها بعض الأضرار المقصودة وغير المقصودة.

عودة للرواية.

سليم
«عشت كما يعيش أي نكرة»؛ هكذا بنظرة عدمية، بغير جدوى للحياة وعبثيتها – هنا في جزائر التسعينات – تُفتتح الرواية، فيفتح لنا صحافي جزائري نافذة على حياةٍ/حياته في ظل تعايشه مع النجاة من الموت، ومع تبعاته أكثر منه ممارسته لحياة طبيعية؛ فالموت صار طقسً، تعودّنا عليه، فالحياة في جزائر التسعينات صارت مسكونة بالخوف الذي انتشر في أزقتها وشوارعها، فصارت كالانتقال من البراءة إلى ما يشبه حياة البرية. حياة ستتغير من جذورها السحيقة في ذاكرة ووعي سليم، إثر دعوة يتلقاها للانتقال عند عمه في سلوفينيا متطلعًا بها لحياة جديدة، لكنه سيعود بماض جديد.

إيفانا
نجوت من الموت، وخرجت من حبس، ظننت أنني سأمكث فيه سنوات طوال. أزهقت روحًا، والتحقت بالقتلة، ثم تعثّرت.. هذه هي – إيفانا – هي بوسنية.. مزيج بلا نقاوة عرق، تعيش غربتها في بلدها في بيتها؛ تريد الخروج منها فما المانع من عيش غربتي تحت سماء أخرى؟ في أوروبا، فالبوسنة تنتمي نعم للقارة الأوروبية، لكن سكانها ليسوا مثل الأوروبي الآخر، فالكل يريد الخروج هذه هي – إيفانا – هي حياتها كما تلخصها. لكنها ليست قصتها التي سيسردها سعيد خطيبي في روايته ومعها قصة مدينتها – سراييفو – التي تتناسى ماضيها القريب لتعيش وتستمر حياة أهلها التي يجب أن تستمر، فهذه هي سيرورة العالم، لا تتوقف عند بؤس مهما كانت فظاعته.

هي رواية بقلم وصوت للذكرى عمن عاشوا حاضر حروب ورعبها، دفعوا ثمن ماض لم يكونوا مسؤولين عن كتابة فصوله، ولا أن يصنفوا بالوقوف وراء معسكر ضد آخر بحكم الولادة في جهة ما تحت اسم دين ما، أو قبيلة ما، هذا ما فعله خطيبي في روايته هذه، فكان السرد على لسان صوتين يتتابعان في سرد حكايتهما وحكاية بلديهما ومدينتيهما لتلتقي خيوط الحكاية في سلوفينيا، لتنقطع هناك أيضًا، ويستمر وصالها عبر الكتابة (المسرح لإيفانا والصحافة لسليم).

بنفسها – الكتابة – ستخبرنا من خلالها رواية خطيبي عن حربين (حرب البوسنة – وعشرية الجزائر الدامية) للذين لم يعيشوا حربًا، بأن تأكدوا أنكم لا تعرفون معنى لها – الحرب – فلم تبكهم، ولا يعرفون معنى أن تغير الحروب ما في قلوبنا/عقولنا للأبد.

ما أعرفه أن العنف لا ينتهي، يتكرر المرة تلو الأخرى باسم الله، الرب، الوطن، الحرية.

رواية حطب سراييفو من تأليف سعيد خطيبي ونشر منشورات الاختلاف ومنشورات ضفاف عام 2018 وعدد صفحاتها 325 صفحة.


هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد