أول ما ظهر سيد قطب ظهر أديبًا شاعرًا ثم ناقدًا أدبيًا، وحُسب على “الاتجاه الرومانسي” وعُدَّ من جماعة  “أبوللو”، وكان في الأدب النثري محسوبًا علي مدرسة “العقاد” التي كانت تُعرف بالمدرسة الليبرالية أو الفكر الحر. وله مصنفات عديدة في هذا الاتجاه منها “أصول النقد الأدبي”.
وفي منتصف رحلته الفكرية – أي قبل تحوله إلى اتجاه الحركة الإسلامية – كتب مؤلفات كانت بمثابة همزة الوصل، منها “التصوير الفني في القرآن” و”مشاهد القيامة في القرآن”.واستبشرت التيارات الإسلامية بأن الحركة الإسلامية قد كسبت كاتبًا أديبًا متميزًا، والذي يعتبر إضافة لها قيمتها، وظل يخطو خطوات متتالية نحو اتجاه الحركة الإسلامية، حتى وصل إلى ما انتهى إليه من الفكر الرافض لكل الحكومات والمجتمعات، وكان ذلك في مرحلة السجن.
بحثت عما أقرؤه عن أثر السجن على الأفراد نفسيًا واجتماعيًا. فلم أجد ما هو أبلغ من كلام سيد قطب، فقد كان رحمه الله بليغًا صاحب قلم لا يُجارى، له من القدرة الهائلة ما يُمكنه من حسن التعبير وصياغة الأفكار، فوجدت ضالتي في “لماذا أعدموني؟”
حيث قال سيد قطب: “إن الخارج من السجن يكون كالأعمى من ناحية الرؤية الاجتماعية، ولا بد أن تُترك له فرصة للتعرف على المجتمع، ولمعالجة أحواله وأوضاعه الاجتماعية فضلًا على أن تحركاته مراقبة بشدة.
إن الجو في الخارج غيره في السجن، ففي السجن تكون الطاقة حبيسة ومتجمعة ومندفعة في الاتجاه الذي دخل صاحب العقيدة من أجله السجن، أما وهو في الخارج فتستغرقه مشاغل ومشكلات الحياة واهتمامات متنوعة…”.

 

* كيف اصطدم سيد قطب بأعلام الأمة؟

 

كان سيد قطب رحمه الله شديدًا قاسيًا على مخالفيه، فهم – عنده – المهزومون روحيًا، وعقليًا، الموسومون بالسذاجة والبله، الغافلون عن منهج الإسلام وطبيعة دعوته، حتى وإن كان مخالفوه هؤلاء هم أعلام الأمة وعمالقة الفكر والفقه والدعوة، حتى وإن كان مخالفوه هؤلاء من بينهم محمد عبده، ورشيد رضا، ومحمود شلتوت، وحسن البنا، ومحمد الغزالي، ومحمد أبو زهرة… وغيرهم.
كما خلّفَ سيد قطب منهجًا مُصادِمًا لمنهج أهل السنة والجماعة، حتى وصل هذا الصدام إلى تفسير القرآن الكريم، فاصطدم في “في ظلال القرآن” بعمالقة التفسير مثل ابن عباس وابن جرير الطبري والبغوي وخاصةً في تفسير الآيات التي تُعتبر المُنْطَلَق الذي انطلق منه في تكفير المجتمعات الحالية واعتبارها جاهلية وليست من الإسلام في شيء.
ونرى الاختلاف واضحًا أيضًا بين منهجه ومنهج حسن البنا (مؤسس جماعة الإخوان التي انتمي إليها سيد قطب(، وهو ليس مجرد اختلاف عابر سطحي، فالمُتأمِل منهج البنا يراه مشروع اندماج في المجتمع، أما قطب فمشروعه مشروع انفصال شعوري لا يشعر بالانتماء للمجتمع.
حسن البنا كان صاحب مشروع انفتاح على المجتمع، أما سيد قطب فمشروع استعلاء على المجتمع انطلاقًا من تكفيره وضلاله البين وأنه ومن معه من الفئة المؤمنة (العصبة المؤمنة) بين أناس جاهليين.
فكيف بمن ينشأ ويتربى على أنه فرد من الفئة المؤمنة المتفردة بالإيمان وبالفهم الصحيح لعقيدة الإسلام بين عالم جاهلي، حتى يبدأ في خلق وصاية وهمية افتراضية منه على المجتمع. وبالطبع لا يسعه بعد ذلك إلا أن يتملكه شعور الاستعلاء على المجتمع، ناهيك عن احتمالية تطور الفكرة – وقد حدث بالفعل – إلى حقه في حرمان هذا العالَم الجاهلي من الحياة لمجرد أنهم لا يملكون من فهم العقيدة ما يملك.
حتى يتبنى مبدأ قتال العالم  حتى كل من سالمه ولم يمد يده إليه بسوء.

 

* من آراء الشيخ القرضاوي في منهج وأفكار سيد قطب

 

وهنا نقتبس من كتاب الشيخ يوسف القرضاوي “ابن القرية والكُتّاب” الجزء الثالث، الذي ناقش فيه أمر سيد قطب وسرد فيه مقولات له ورد عليها.
كتب الدكتور القرضاوي متحدثًا عن أفكار سيد قطب الأساسية التي انتهى إليها في مسيرته الفكرية: “ومن أبرز هده الأفكار وأشدها خطرًا وأبعدها أثرًا: فكرة (تكفير المسلمين الموجودين في العالم اليوم) إلا فئة قليلة جدًا منهم. أما مئات الملايين في العالم الإسلامي أو العالم الذي كان إسلاميًا أو يحبون أن يكونوا مسلمين. فهو ليس من الإسلام في شيء وإن كانوا يشهدون أن لا إله إلا الله لأنهم يفهمونها على غير مدلولها الحقيقي الذي لا معنى له – في نظره – غيره”.
وقال: “كما رددت على رأي سيد رحمه الله، في جدوى الاجتهاد الفقهي وجديته وأن الأمة في حاجة إلى أن تُسلم أولًا قبل أن تبحث في إحياء الاجتهاد وتطوير الفقه وما إلى ذلك”.
“وقد ناقشنا الشهيد رحمه الله مناقشة مفصلة حول هذه النقطة حينما عرضنا لرأيه في “إحياء الفقه الإسلامي” وتجديد الاجتهاد ومدى جديته وجدواه، وبينّا انفراده رحمه الله – أو قل شذوذه – عن سائر علماء الأمة بهذا الرأي الذي يتبنى فيه جانب الغلو والتعسير على الأمة، ولكنه لا يرى الأمة موجودة حتى تستحق منه التيسير لا التعسير، وأنصح قارئي أن يراجع هذه المناقشة في كتابي (الاجتهاد في الشريعة الإسلامية) أو كتابي (الاجتهاد المعاصر بين الانضباط والانفراط)”.
“وكذلك فندت رأيه في الجهاد الذي يتبنى فيه قتال العالم كله حتى من سالم المسملين ولم يمد إليهم يدًا ولا لسانًا بالسوء، وهو ما خالفه فيه جل علماء العصر، وإن لم نقل: كلهم”.

 

 

وفي هذا المقام لا أملك إلا تقدير قلم الرجل وحسن بيانه وفصاحة بلاغته، وشدة حماسه في عرض فكرته والدفاع عنها.

Top of Form

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

أفكار
عرض التعليقات
تحميل المزيد