كنت مولعًا بقراءة مجلة النهضة العربية التي تصدر عن كلية إسلامية في كيرالا، فصدمتني صورة ورجعت ذاكرتي إلى تلك الحادثة المفجعة، حين استشهد سعيد رمضان البوطي في محراب مسجد الإيمان، حين لبى نداء ربه وسط ضجات حامت حوله، حين ثارت سوريا على نظام الأسد وحين بثت القنوات أبشع الصور عن حكومته وعن معاملاته مع السنة والسلفية، فانتفضت من غفوتي ونهضت إلى مسار تلك الفكرة العميقة المتجذرة، التي خاطرت بنفسها وخاضت في المعتركات العقلانية، وأصابتني توترات عن تبادل حرارة وجداني عن الشيخ شهيد المحراب والذي دفن عند البطل صلاح الدين الأيوبي.

فإن البوطي كان من أعلام الفكرة الإسلامية الحديثة، وقد تعرفت على شخصيته العملاقة في الموسوعات الإسلامية الضخمة، صورة تلمح بالدماغية الفتية وتلوح ببصيرة تبلغ الآفاق، كرائد أسلمة العلوم وحامل الوسطية ومثير الجدل والمؤيد الأكبر والمساند لنظام بشار الأسد حتى تهاوت عليه برقيات تهدد بالقتل واقتناص حياته، خطابات هادئة تكمن فيها بويضات الوسطية وتعكس معتدل الإسلام حتى هيجت مواقفه خلايا الغلاة والمتطرفين والمتشبثين بهوامش الدين وطحالب السنة، مقالاته تعبر عن ميزانية الأمة المعتدلة وتمضي خلال نقاشات حارة عن تجديد الأمة وتوعيتها من غير أن تنخلع من صلب الموضوع وبجدة القضية، ومواقف لا تنحاد من رصيف الحق الذي وجده وأصابه بل يترسخ فيه رغم ما تدفعه المحن والمصاعب، كثيرما رأيناه يسير في العقائد الإسلامية، المسرح الذي قلما عالجه علماء العصر لصعوبته وعقدة أمره، بل تركه كثير من أعلام الدين والعقيدة لكنه أتحف الأمة بأعماله القيمة التي تبلغ أكثر من ستين مؤلفا ورسائل ومحاضرات وتسجيلات صوتية التي دافع بها عن معاقل السنة، بل تعرض لأجلها لهجمات قاسية، مؤلفات تنورت بطابعه العقلي وإطاره الفكري، يناول فيها قضايا الإيمان والقدر والقضاء ويقدم أمام الأمة عن فلسفة مشكلاتهم وحلولها، فالبوطي شهيد المحنة يمثل ابن حنبل الممتحن.

حياة مكتظة بالجدل

كانت حياته محفورة بين الكتب والخدمة الدينية، ومأسورة في جدليات الفلسفة، وصارع الفكرة الغربية والانجرافات المادية، وعبر عن وجهات مخلتفة عن «الفكر الإسلامي» و«المفكرين الإسلاميين» وناضل بها لكن أكثر تصريحاته أثارت جدلا واسعا في أوكار السنة والسلفية، بل كانت فتاواه باعثة الغضب حتى تورط في فخ السلفية بعد تسجيل صوتي يدافع عن نظام الأسد داعيا لهم بالتوفيق والسداد وراجيا منهم التثبت والتصلب في وجه الثورات المتأججة ضدهم، فأثار موقفه هذا نقطة الخلاف، وانشقت لأجله الأمة العربية والإسلامية، فيهم من اتهموه ببوق الشيعة المخططة من مفاعل إيران وحزب الله اللبناني وتطاولوا عليه بالمجرم السياسي والمحراك الأول لنظام الأسد الذي اغتال شعبه واعتقل قومه، ومن نصبوه في منصة علماء السلطان وعميل بلاطهم، بل فيهم من نزهوه من دناسة التجسس وعرضوه عالما باسلا مثاليا في زمن قلما فيه علماء الحق حيث برروا موقفه بأساسية السنة والأحاديث التي تؤكد بسطوة السلطان وظليته من الله، وتأييده في زمن المحن ودعمه بغض النظر عن لونه وشيعته وقلة رجاله بوحي من حديث «من أهان السلطان أهانه الله»، فكلا الطفتين تتأرجحان وتجعلان المراقب في حالة من التوتر والتحسر.

أما البوطي كأن ماضيه مع حافظ الأسد الناشئ من الحب الخالص ووفاء الدعم له يشير إليه بالأكف والأصابع أشباحا من الشك والتهم، حيث استهلت علاقته مع نجله بشار الأسد على وشك الاضطراب واليأس، بل لم تزه تلك الوشائج حين واجهت مشكلة صادمة في قضية المسلسل السوري «وما ملكت أيمانكم» للمخرج نجدت أنزوير الذي يسلط الضوء على شريحة الطبقة الوسطى ويعبر عن همومها ومشاكلها وعن قضايا مثل التطرف والإرهاب والثورة، وبثت القنوات موقفه من هذا المسلسل بقوله إنه «يسخر من الله والدين» وأنه الباعث لانحباس المطر في سوريا، وفي نفس الفترة أذاعت الوسائل عن تراجعه من مشاهدة المسلسلات حيث ألحق فيه بقوله:

«كثر السائلون عن مستندي في الحكم على هذا المسلسل، وأقول: إنني لا أتابع المسلسلات ولا أيًا من البرامج التلفزيونية، ولكني اعتمدت في حكمي هذا على تقرير رسمي صادر من لجنة أعرف صدق أفرادها وأثق بمستواهم الثقافي.

غير أني تعرفت على مخرج المسلسل الأستاذ نجدت أنزور أخيرًا في لقاء تم على غير ميعاد، عرّفني فيه على التزامه الديني والتزام أسرته»، لكن هذه القضية لم تورث إلا وبالا عليه حيث تزايد نطاق جدليته.

وأما البوطي مع ما التصق به من التهم والغموض كان مواكبا مع الصوفية وماضيا في دربهم، لقد أثر أبوه الصوفي في حياته وتصرفاته، بل هو الذي غير مسار حياته في بوتقة التقليد وأصالة المذهب، وهو المعروف بكتابه «اللامذهبية» الذي يندد فيه التحركات السلفية ويقوض أصنام دعايتهم في سماحة الاجتهاد حتى في العصر الراهن، ويدعوهم إلى التحزم بحقيقة السنة.

البوطي.. فكرته وثورته

الدرس البوطي في حلبة الثورة دائما كان مرمى النقاش، وأصبحت شخصيته موتورة البال في معالجة ثورة سوريا، من جانب يسائله المجتمعات الدولية للتراجع والتنازل عن موقفه من نظام الأسد وآخر يمجده لصالح دعمه وإخلاص نيته مع النظام، لكنه كان دائما مع قلب الأمة، يسعى لترصيص صفوفها وتجصيص عمقها، يحذر المسلمين من التهديدات المصدرة من مفاعل الغرب، ويقول لهم: «إن زعماء أوروبا والغرب يخافون الإسلام ويحبون دينا بلا روح، فاستعدوا لحماية خلاصة الإسلام وتنقية روحه».

وفي فقه الأقليات كان نجما متالقا لا يبارز، وقد أسعف العالم بكتابه الرائع «فقه الأقليات»، يستنكر فيه مكايد الغرب التي تخطط لتفريق فكرة «الأمة» وتحث على الشذوذ والتفرد حيث يضيف: «بأن وجهة الأقليات لا تسبب إلا إنجاب نوعية جديدة في المجتمع ولا تورث إلا خسارة باهظة لكل شعب يربطه وحي واحد وكتاب واحد، بل مشق سلاحه على الذين يدعون إلى تسييس الإسلام ومساومة الفتوى، فأصبح القرضاوي منصبا في زناده، وندد فعالياته ونشاطاته الجارية في أوروبا وسخر من منتدى أوربا للفتوى، وقال عنه «بأنه وليدة الإخوان المسلمين، تخرج منه فتاوى تقنع المجتمعات الغربية المتقدمة التي ليست لها أي علاقة مربوطة بالإسلام، وبرهن على دعايته» بما يدعيه المنتدى من جوازية الربا وغيرها مما تشبع عطاش الغرب، وأكد بأن الإسلام لا يفرق أحدا حتى يروجوا فكرة الأقلية والأكثرية.

أما التصوف وبه تلألأت وجدانيات البوطي، وسطعت شخصيته بهالته المشرفة، ولم يخجل في نقد المتصوفة التي تنقب شغاف الإسلام وتنتحل معانيه ولا تطبقه في مسرح الوجود بل كان يقول بأن التصوف لا بد أقوى باعث للدعوة الإسلامية، فأنكر فكرة السياسة الإسلامية المستخرجة من «الإسلام دين ودولة وسيف ومصحف»، وراقب التحركات المتطرفة المتطلعة إلى تنظيم الدولات وتغيير النظام وتأصيل فكرة الثورة، ودعاها بأن جميع المؤامرات على الإسلامية ترد من خلايا اليهود وإسرائيل، وجسد البوطي الدعوة والتطبيق، بل كان يشتاق لإعادة أصالته وكيانه في الحلة العربية حتى ترجم عديدا من التراث الكردي، روايات وقصصا ووصفيات وقصائد، وكأنه دافع عن كيانه الكردي وحارب الحكومة في تصنيف الأكراد باعتبارها طبقة مخلوعة منفصلة من شعب سوريا حتى كانت الأكراد مرفوضة الحقوق ومكمومة الأفواه في الشوارع، يمنعون من التكلم بالكردية وإظهار شعاراتهم في الأمكنة العامة.

البوطي والشاعر إقبال

وكان المرحوم يحب شاعر الشرق والإسلام محمد إقبال ويسير مع قصائده وأشعاره، ويستلهم من معاني وجدانه، ويدعو الأمة إلى متابعة نبراته ونبضاته، وقد جذبته شعرية إقبال لما فيه من روح إسلامية نقية وهواء محمدي صاف، ودفاع عن الدين وتحد للغرب، ونظرة إلى الأخلاقيات الصفية، وقيم دينية راقية، وكتب البوطي أيام دراسته في الأزهر مقالة «ليلة مع إقبال»، عبرت عن اشتياقه ومحبته لشاعر الإسلام

«في البارحة، سريت مع إقبال وسرت معه أميالا، ورأيته يئن عند رؤيته جامع قرطبة» بل أقبل البوطي لترجمة بعض أشعاره بنمط متحرر، ووجه رأيا خاصا بأن لذة الحقيقة تكمن في طيات إقبال، بل تابع مرة عن جاذبية إقبال الجياشة، وتأثيره فيه بأنه لم يك ثم أي شاعر ألقى أثرا بالغا في حياته مثل إقبال.

واستشهد البوطي وخلف وراءه بصمات العزة وقوة الإرادة وأحيا وعيا سياسيا من جديد، وقد أخذ على عاتقه مهمة الوقوف بقوة وبكل ما أوتي من مواهب وغرائز للعودة إلى الكتاب والسنة، وكأنه ينادينا في قضية القدس من بعيد ويقترح علينا لكي نراجع فكرتنا ولا نضيع ثروتنا إبان التحركات السياسية الغامضة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد