بطريقة أو بأخرى، العشرات من الشهادات ولربما المئات، خرجت من أفواه وأقلام ضحايا النظام الجزائري في العقود الماضية الذي كان تحت سيطرة الإعلام المخابراتي (السمعي-البصري) والجرائد، سواءً ضحايا الاختطافات القسرية، أو التعذيب، أو السجن التعسفي، أو حتى ضحايا الإرهاب كانت شهادات لا تصل إلى عامة الناس نظرًا إلى الخوف الذي كان يتملك الصحافيين الشجعان المعرضين للاختطافات، السجون أو الاغتيالات، أو في الطرف الآخر الصحافيين الذين باعوا أقلامهم للطغمة العسكرية المفرنسة التي كانت تتلاعب بالرأي العام الجزائري وحتى الإقليمي والدولي، الآن صار الوضع مختلفًا تمامًا عن السابق بفضل الإعلام البديل ووسائل التواصل الاجتماعي، وكذا التجربة الثورية السلمية للحراك الشعبي المستمر.

شهادات وقصص مرعبة كان هناك فصيل منشق من الجيش والمخابرات من ضباط وأفراد يطلقون على أنفسهم «الضباط الأحرار»، وكانت معظم الشهادات تروي تفاصيل الحرب القذرة التي شنتها أجهزة المخابرات وقيادة أركان الجيش بالإيعاز الفرنكو-سعودي.

لن أدخل في هذه التفاصيل التي يعرفها العام والخاص، والتي ظهرت حقيقتها مؤخرًا بفضل الإعلام البديل الذي فتح أعين الملايين من الناس على حقيقة ظلت طي الكتمان وضمن الطابوهات المحرمة.

إن التراكمات التي خلفها نظام رسكل نفسه طيلة ستة عقود من الزمن كانت كبيرة بحجم الجبال من انهيار للقيم الاجتماعية، وتفشي الفساد في مؤسسات الدولة، والانهيار المؤسساتي، وضعف الجبهة الداخلية، وتردي التعليم والصحة… إلخ، كانت أسبابًا كفيلة لقيام قيامة سلمية ثورية دكت حصون الاستبداد والفرعنة والتغول، وهي مستمرة بكل سلمية لغاية كتابة هذه السطور، وهي بخطى ثابتة للنصر لتأسيس مسار ديمقراطي حقيقي وإنهاء حكم الانتداب الفرنسي، وتؤسس الجزائر الجزائرية التي تسع الجميع بدون إقصاء أو تمييز.

في خِضم هذه الثورة العظيمة، صار من الحتمي والضروري أخذ المنحى التصعيدي تنديدًا بالقمع الممارس من طرف النظام وأزلامه، فقد كان قرار الناشطين الحراكيين إضافة اليوم الثالث للتظاهر بعد يومي الثلاثاء والجمعة، فكانت ردة الفعل عنيفة من الطرف الآخر الذي دخل في هيستيريا لا توصف، قمع رهيب، واعتقالات واسعة النطاق في المدن الكبرى، وإيداعات بالعشرات في السجون.

لماذا استهلت مقالي باستذكار العشرية السوداء وانعدام وسائل التواصل الاجتماعي في العقدين الأخيرين؟

لأن ما سأسرده من وقائع خطيرة لو وقعت كما أسلفت الذكر لما سمعنا بها، على ما تعرض له من تجاوزات خطيرة مست شرفه وشرف عائلته، وقائع هزت الجزائر، ولكن لا أظن أن الرأي العام العربي على اطلاع كامل بالمجريات.

من بين معتقلي المسيرة التصعيدية في الجزائر العاصمة ضحية اعتقال تعسفي، قاصر اسمه «سعيد شتوان» البالغ من العمر 15 سنة، يجري اعتقاله وتحويله إلى قسم شرطة.

الفاجعة الكبرى التي زلزلت القطر الوطني كانت ليلًا، بعد إطلاق سراحه، الصبي كان يبكي بشكل هيستيري وكأنه مصاب بانهيار عصبي من صدمة ما.

تبين بأنه تعرض للاغتصاب في مركز من المفترض يكون حاميًا له ولعرضه.

تسارعت الأحداث خلال 48 ساعة، بين الحرب التي تشنها أقطاب مخابراتية تابعة لجهاز الشرطة وجهاز المخابرات، وكل طرف يحاول تبرئة نفسه هربًا من الفضيحة المدوية التي هزت الرأي العام وانتفضت من أجلها منظمات حقوقية دولية.

الصراع بلغ أشده بين الطرفين ولكن الضحية واحدة، الطفل شتوان والأبطال الخمس المفجرين للفضيحة والشعب الجزائري بشكل عام والطبقة الحراكية بشكل خاص.

من السوابق التي لم تقع في تاريخ الجزائر، هو تظاهر الضحية من أجل إطلاق سراح الجاني، وما أراد تسويقه الإعلام النظامي هو أن الطفل سعيد ضحية لإخوانه في النضال لكن الحقيقة هو ضحية منظومة إجرامية، تنتحل الصفة النظامية وتستغل مؤسسات وهيئات الدولة.

من المحزن حال الجزائر عندما تصبح في انحطاط لم يسبق لها أن وصلت إليه، ومن المبكيات أيضًا توظيف الإعلام العام منه والخاص للتشويه وجهاز العدالة إلى تصفية الحسابات وتوظيف الانتقامية خصوصًا إذا تعلق الأمر بالمعارضين والناشطين السياسيين.

تخونك الكلمات فلن تجد تعبيرًا مناسبًا لوصف مأساة إنسانية حقيقية عاشها الشارع الجزائري يوم الثامن من شهر أبريل، عندما قرر البوليس السياسي المخابراتي إيداع الأبطال الخمس الذين لفقت لهم تهم باطلة من شأنها ضرب سرب عصافير بحجر واحد، توسيخ سمعة الحراك الشعبي أمام الجبهة الداخلية الصامتة والمنومة بوهم الجزائر الجديدة، تلطيخ صورة الحراك الشعبي أمام الرأي العام الدولي خصوصًا بعد تصنيفه من قِبل الأمم المتحدة حركة سلمية داعمة للديمقراطية، ضرب حركة رشاد، تبييض وجه الأجهزة الأمنية المتورطة في التعذيب، القمع المفرط، الاغتصاب والتنكيل بالناشطين والمعارضين السياسيين.

لا يوجد شتوان واحد، يوجد العديد منه على غرار وليد نقيش، سامي درنوني، إبراهيم دواجي، أيوب شاحطو، والقائمة طويلة مداد البحر، فحقيقة النظام الجزائري فظيعة ومخيفة ليست كالتي تظهر بأنها مع تقرير مصير الشعوب على غرار القضية الفلسطينية والصحراوية، حقيقة سيل جارف يسقط من سماء العدالة الإلهية، تزيل مستحضرات التجميل التي تظهره بالوجه الملائكي والإنساني وتكشف وجهه الشيطاني، عدو الحرية والعدالة الاجتماعية والإنسانية.

استمرار الضغط الشعبي الحراكي سيمنع دفن قضية سعيد شتوان، وتورط جهاز الشرطة ليس لتبرئة أجهزة أخرى، كلهم متورطون بطريقة أو بأخرى لأنها ليست أفعالًا معزولة وإنما هي عقيدة الدولة العميقة التي عادت إلى دواليب الحكم. عقيدة إجرامية دموية لم ولن تتغير، مصيرها الزوال على يدي الشعب الجزائري المقاوم.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد