لم يعرف التاريخ الإسلامي المعاصر محنة أصابت الحركة الإسلامية كالتي تعرضت لها بعد انقلاب الثالث من يوليو، محنة تجلت صورها في مشاهد دامية بين القتل والحرق والتشريد والاعتقال وانتهاك الأعراض، وإفساد الحرث والنسل وتغيير المفاهيم والقناعات واستبدال الرموز وقادة الفكر بصعاليك المجتمع أشباه الرجال، واقع لا يمكن إنكاره أو الانفكاك عنه، واقع لا يمكن توصيفه إلا أنه مأساة إنسانية.

وتمضي الأيام وما زال أصحاب القضية العادلة وأصحاب المظلومية والحق المطلق في القصاص يتحدثون ويتسألون: وماذا بعد؟

ماذا بعد الاعتقالات والإعدامات؟ ماذا بعد التشريد والمطارادات والملاحقات الأمنية والتي تبعها فصل من الوظيفة وضيق ذات اليد؟ ماذا بعد طغيانهم وإفسادهم وقتلهم الأنفس والأحلام؟

تساؤلات متكررة لا تجد لها إجابات واضحة، فمنهم من يقول: لا مصالحة والقصاص قادم، والمسكين لا يملك إلا حنجرته التي بُحَّ منها الصوت! وآخر ينادي بالرجوع خطوة للخلف لدراسة المشهد ووقف حملات القتل والاعتقال، وأهالي الشهداء (بإذن الله) والمعتقلين بين سندان الظالم ومطرقة النقاشات والاختلافات التي لا تنتهي.

ووسط هذا الواقع المؤلم يأتي سيد قطب من سجن طرة ليطرح رؤيته للخروج من هذا المأزق الشديد محاولا قراءة الواقع واستنباط الحلول الممكنة والواقعية.

في عام 1955 رأى سيد قطب -وكان معتقلا حينها- أن استمرار بقاء أبناء الحركة الإسلامية خلف أسوار السجون أمر لن يساهم في بناء الوعي والمشروع الإسلامي على حد سواء، ورغم أن الحكومة منعت نشاط الإخوان وحاربتهم وحاكمت كل من عرفت عنه محاولة تجميعهم من جديد، إلا أن (سيد) اتخذ قرارا حازمًا مفاده أن الحركة الإسلامية يجب أن تستمر، وأن القضاء عليها في مثل هذه الأحوال يُعد عملا فظيعًا جدا يصل إلى حد الجريمة، وأن الأخطاء يمكن أن تستبعد ويمكن الاستفادة من التجربة في تجنُبها (لماذا أعدموني).

تأكد لسيد قطب أنه لا يمكن القبول بهذا الواقع وأنه لابد من التفكير للوصول لمخرج من هذا المأزق. ولذا قرر مع رفيقه في السجن (محمد يوسف هواش) أن يتدارسا الموقف جيدا، وبعد مراجعة وتفكير دام سبع سنوات 1955ـ 1963 خرج (سيد) بضرورة استمرار الحركة الإسلامية وعدم توقفها.

فقال: (وبعد مراجعة ودراسة طويلة لحركة الإخوان المسلمين ومقارنتها بالحركة الإسلامية الأولى للإسلام أصبح واضحا في تفكيري وفي تفكيره كذلك أن الحركة الإسلامية اليوم تواجه حالة شبيهة بالحالة التي كانت عليها المجتمعات البشرية يوم جاء الإسلام أول مرة من ناحية الجهل بحقيقة العقيدة الإسلامية، والبعد عن القيم والأخلاق الإسلامية، وليس فقط لبعد عن النظام الإسلامي والشريعة الإسلامية- وفي الوقت نفسه توجد معسكرات صهيونية وصليبية استعمارية قوية، تحارب كل محاولة للدعوة الإسلامية وتعمل على تدميرها عن طريق الأنظمة والأجهزة المحلية، بتدبير الدسائس والتوجيهات المؤدية لهذا الغرض، ذلك بينما الحركات الإسلامية تشغل نفسها في أحيان كثيرة بالاستغراق في الحركات السياسية المحدودة المحلية، كمحاربة معاهدة أو اتفاقية، وكمحاربة حزب أو تأليب خصم في الانتخابات عليه.

كما أنها تشغل نفسها بمطالبة الحكومات بتطبيق النظام الإسلامي والشريعة الإسلامية بينما المجتمعات ذاتها بجملتها قد بعدت عن فهم مدلول العقيدة الإسلامية والغيرة عليها، وعن الأخلاق الإسلامية ولا بد إذن أن تبدأ الحركات الإسلامية من القاعدة: وهي إحياء مدلول العقيدة الإسلامية في القلوب والعقول، وتربية من يقبل هذه الدعوة وهذه المفهومات الصحيحة، تربية إسلامية صحيحة، وعدم إضاعة الوقت في الأحداث السياسية الجارية، وعدم محاولات فرض النظام الإسلامي عن طريق الاستيلاء على الحكم قبل أن تكون القاعدة المسلمة في المجتمعات هي التي تطلب النظام الإسلامي لأنها عرفته على حقيقته وتريد أن تحكم به.

وفي الوقت نفسه، ومع المضي في برنامج تربوي كهذا، لا بد من حماية الحركة من الاعتداء عليها من الخارج، وتدميرها ووقف نشاطها وتعذيب أفرادها، وتشريد بيوتهم وأطفالهم تحت تأثير مخططات ودسائس معادية، كالذي حدث للإخوان سنة 1948، ثم سنة 1954 وسنة 1957، وكالذي نسمع ونقرأ عنه مما يحدث للجماعات الأخرى، كالجماعة الإسلامية في باكستان، وهو يسير على نفس الخطة وينشأ عن نفس المخططات والدسائس العالمية.

وهذه الحماية تتم عن طريق وجود مجموعات مدربة تدريبا فدائيا بعد تمام تربيتها الإسلامية من قاعدة العقيدة ثم الخلق، وهذه المجموعات لا تبدأ هي باعتداء ولا محاولة لقلب نظام الحكم، ولا مشاركة في الأحداث السياسية المحلية طالما الحركة آمنة ومستقرة في طريق التعليم والتفهيم والتربية والتقويم، وطالما الدعوة ممكنة بغير مصادرة لها بالقوة، وبغير تدمير لها بالقوة، وبغير تعذيب وتشريد وتذبيح وتقتيل، فإن هذه المجموعات لا تتدخل في الأحداث الجارية، ولكنها تتدخل عند الاعتداء على الحركة والدعوة والجماعة لرد الاعتداء وضرب القوة المعتدية بالقدر الذي يسمح للحركة أن تستمر في طريقها، إذ إن الوصول إلى تطبيق النظام الإسلامي والحكم بشريعة الله ليس هدفا عاجلا لأنه لا يمكن تحقيقه إلا بعد نقل المجتمعات ذاتها، أو جملة صالحة منها ذات وزن وثقل في مجرى الحياة العامة إلى فهم صحيح للعقيدة الإسلامية ثم للنظام الإسلامي، وإلى تربية إسلامية صحيحة على الخلق الإسلامي، مهما اقتضى ذلك من الزمن الطويل والمراحل البطيئة.

وأصبحت هذه الصورة للحركة الإسلامية واضحة في حسي تماما، كما أصبحت واضحة في حس الأخ هواش.

وبعد هذه المراجعة شكل سيد قطب في ذهنه تصورًا كاملا عن الحركة الإسلامية، وبناء على هذا التصور حاول أن يوقف هذه المذبحة وأن يُنجي شباب الإخوان من الفناء وأن يعيدهم إلى المجتمع حيث واجبهم الدعوي والتربوي.

ولذلك عرض على عبد الناصر عن طريق وسطاء أن لا يُقاوم الإخوانُ النظام مقابل السماح لهم بالعودة إلى الإصلاح والتربية في المجتمع، جاء هذا في لقاء عمر الأميري مع مجلة المجتمع 1986 حيث قال: (عندما كان سيد قطب رحمه الله في السجن أرسل لـ(إخوان سوريا) رسالة يقول فيها نرجو أن تكونوا وسطاء بيننا وبين جمال عبد الناصر، ونحن على استعداد لأن نعطي عهدا بأن لا نتصدى له ولا نقاومه بشيء، ونطلب من عبد الناصر لقاء ذلك شيئا واحدا، هو أن يخلي سبيلنا وأن لا يعوق أعمالنا ومساعينا، فنحن لا نريد أن لا يحال بيننا وبين العمل على إنقاذ شباب هذه الأمة من الشيوعية).

والحقيقة أن هذه الرسالة قوبلت بالرفض التام من عبد الناصر، إلا أن مناط الشهادة هنا أن سيد قطب رأى استحالة استمرار الجماعة بهذا الشكل وبدأ يفكر خارج الصندوق نسبيا، وربما هذا التفكير قد يكون لدى البعض من قادة الإخوان الآن، ولكن مع حجم الدماء التي سالت والأعمار التي تفنى في السجون فلا يستطيع أحد أن يقول الآن بمثل ما قال سيد قطب.

ومن يدري ربما يكون رأي سيد قطب صوابًا!

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات

(0 تعليق)

تحميل المزيد