«ربما ترد المقاومة على عدوان الاحتلال في القدس ردًّا محدودًا لا يتجاوز غلاف غزة»؛ كانت هذه الجملة هي أقصى ما يمكن أن يتوقعه محلل أو متابع للشؤون الفلسطينية يوم العاشر من مايو (أيار) 2021، حتى مخابرات الاحتلال، والتي تُعد من أقوى المخابرات عالميًا؛ لمَّح بعض مسؤوليها إلى أن رؤيتهم كانت لا تتجاوز هذا التوقع!

دقَّت عقارب الساعة لتُعلن السادسة بتوقيت القُدس، التي كانت على موعدٍ مع رشقاتٍ صاروخيَّة متتالية صدمت الجميع؛ الصدمة لم تكن في عدد الصواريخ، أو حتى مداها، فكان هذا معلومًا عند الجميع، إنما قوة قلب المقاومة، وجرأة اتخاذ القرار؛ فهي للمرة الأولى التي تبدأ حربًا، وهي التي تُحدد عُمقها من خلال قصف القدس التي تبعد أكثر من 75 كم عن قطاع غزة، لتتجاوز بذلك كل التوقعات والتنبؤات.

لم تتوقف الصدمة عند هذا الحد، فالمقاومة التي كانت تضرب تل أبيب في معركتي «حجارة السجيل، والعصف المأكول» ببضعة صواريخ على أطراف المدينة، أصبحت تضرب في الرشقة الصاروخية الواحدة أكثر من 150 صاروخًا في عمق المدينة الأهم لدى كيان الاحتلال، في تطورٍ غير مسبوق جعل أحد الوسطاء خلال مفاوضات وقف إطلاق النار يعبر عن إعجابه ودهشته من الكثافة الناريَّة للمقاومة.

كانت المعركة كبيرة بحجم قضية القدس، وكان ثأر المقاومة ضخمًا بضخامة حدث العدوان على المسجد الأقصى، وكانت تفاصيل هذه المعركة مثيرة للدهشة، وإيذانًا ببدء مرحلة جديدة من تاريخ الصراع، لا بل بداية حقيقية لزوال هذا الكيان الذي يلقط أنفاسه الأخيرة؛ بحسب ما قال نائب قائد هيئة أركان المقاومة في فلسطين قبل أيام.

فالمقاومة خلال معركة سيف القدس أسقطت كثافة نارية غير مسبوقة على الأراضي المحتلة، دفعت صحف العدو إلى عنونة الصفحة الأولى بعبارة: «الدولـة تحتـرق!»، الأمر الذي أدى إلى شلل تام في أركان دولتهم المزعومة، وفرض حظر تجوال حقيقي على عاصمة كيانهم «تل أبيب»، وتعطيل عمل الموانئ الأساسيَّة، وإغلاق المطارات في وسط وجنوب فلسطين المحتلة، ما جعل «إسرائيل» في حصار بحري وجوي غير مسبوق في تاريخها؛ أضف على ذلك، حرب الشوارع التي اندلعت في الداخل المحتل بين فلسطينيي الداخل والصهاينة الغُزاة، والمواجهات قرب حواجز ومستوطنات الضفة المحتلة.

هذه الأحداث المتراكمة في وقت قصير «عدة أيام فقط» كان مجرد «بروفا» مُصغَّرة لما ستكون عليه المعركة الكبرى، وهذا ما أشار إليه زعيم حماس في غزة يحيى السنوار؛ والسؤال هنا، وأمام كثرة الحديث عن الحرب الإقليميَّة: إذا كانت حماس وحدها – بوصفها قائدة العمل العسكري في فلسطين – قد فعلت ذلك في «إسرائيل»، فكيف الحال لو كانت حربًا إقليميَّة شاركت فيها دول «محور القدس»؟! كيف سيكون حال الاحتلال وهو مشتت بين جبهات مختلفة، لا يعلم هل يضرب غزة، ويتعامل مع صواريخها واقتحاماتها، أم يواجه مقاتلي لبنان المتقدمين إلى فلسطين المحتلة شمالًا، أم يتصدى لمُسيَّرات اليمن، أم ينصب الحواجز للسيول البشرية من سوريا والأردن، أم يقمع فلسطينيي الداخل، أم يشتبك مع المقاتلين في الضفة المقتحمين لحواجزه ومستوطناته!

بعد عام على سيف القُدس، بات لدينا محور متكامل للقدس، ومقاومة فلسطينية نظامية شبه متكاملة الأركان بريًّا وبحريًّا؛ بات لدينا مُحتل هش، متضعضع داخليًّا لا يستطيع الاتفاق على تشكيل حكومة قويَّة، يتحدث عن زواله أكثر من حديثنا نحن عنه! يستسلم لمعادلات المقاومة في مرحلة إساءة وجهٍ صريحة تفرضها الخطوط الحمراء للمقاومة.

بعد عام على سيف القدس؛ لقد خرج السيفُ من الغمد، وحمله محور القُدس، ولن يعود إلى غمده إلا في القدس!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد