الزعيم، هكذا يطلق أعضاء حزب العدالة والتنمية المغربي على الأمين العام للحزب ورئيس الحكومة السابق عبد الإله بنكيران. تمجيد هائل للشخصية السبب في نجاحات الحزب في السنوات الأخيرة. جمع حوله عددًا كبيرًا من الموالين داخل الحزب وخارجه،حتى أصبح الحزب حسب ظنهم لا يساوي شيئًا من دون بنكيران.

قبل أن تنهال على رأسه من كل حدب وصوب أثناء اجتماعات الحزب، تنبهر للإقبال الكبير عليه عكس باقي قادة الحزب، ربما هذا الأمر يزعجهم ويؤجج غيرتهم. يسير متمهلا مترنمًا، يستمر في رد التحية بابتسامة واثقة، تخفي خلفها أسرار هذا النجاح المدهش الذي قلب موازين القوى داخل الساحة السياسية المغربية. لقد جعل من حزب منبوذ في الأمس القريب حزبًا كبيرًا وسيد الأحزاب الوطنية وأكثرها استقرارًا واستقلالية بشهادة عدد من رجال السياسة داخل الوطن وخارجه.

حتى اللحظة كل الأمور على ما يرام، لكن بيت البيجيدي مؤخرا شهد صدامات عنيفة كادت تعصف به، بين من يقدسون بنكيران ويرون أن بنكيران هو الحزب، وبين من يرفضون استمرار بنكيران على رأس الحزب ويطالبون بضرورة التغيير وعدم التمديد له لولاية ثالثة. خلق هذا الأمر حربا لفظية بين أعضاء الحزب حتى أصبح الحديث يروج حول انشقاق محتمل عن الحزب، ما يهدد وحدته ويخدم أجندات شخصيات وهيئات داخل البلاد.

حالة من الألم النفسي والاحتقان يعيشها جسم «البيجيدي». وقداسة عالية بلغها عبد الإله بنكيران في نظر جزء مهم من مكونات الحزب، نجاحاته الانتخابية الفتاكة، وصرفه لحياته في سبيل الحزب جعله يتبوأ القمة. إنه القديس بنكيران الذي لا يمكن الاستغناء عنه، فالمواطنون ينتخبون شخصية بنكيران لا العدالة والتنمية، والعدالة والتنمية اشتهر بشخصية بنكيران، وإن أي محاولة لإزالته أو الإطاحة به ستقابل بالصدام.

نفق مظلم يدخله العدالة والتنمية المغربي بهذا التمجيد والتقديس، فهو كمن يسلم مفاتيح منزله كاملة لهذه الشخصية المثيرة للجدل. إن من أساسيات الديمقراطية التي يسعى الحزب إلى إحقاقها التناوب على السلطة، فكيف سيقطع الحزب هذه العقبة صعبة المسالك دون أن ينجح أولا في ترسيخها داخل بيته وبين أعضائه؟ إن أعضاءه المطالبين بولاية ثالثة يتملصون من ممارسة الديمقراطية الداخلية بدعوى إعادة الهيبة لبنكيران، ولا يتركون الفرصة والحق لمن يود تقلد منصب الأمين العام على الرغم من أنهم يمتلكون «بروفيلات» لشخصية محنكة قادرة على قيادة الحزب.

إن محاولة التمديد لبنكيران لولاية ثالثة،أو حتى محاولة التفكير في الأمر وتغيير القوانين من أجله فقط، هو خرق للديمقراطية الداخلية وتقزيم لباقي الأعضاء وتقليص لفرصهم في تولي المنصب الأعلى داخل الحزب. ويبرر ذلك بقدرته على محاربة ما يصفه بـ«التحكم» عكس الآخرين، وهذا أمر صحيح، فالقديس له سياسة خاصة في التعامل  مع السياسيين والخصوم والمواطنين. تقنيات لا يمتلكها قادة الحزب الآخرون، وأبرز دليل على هذا الأمر ما يحدث لرئيس الحكومة الحالي. لكن القادم على رأس الأمانة العامة وحفاظًا على مكانته ومكتسابات الحزب، سيسير على منوال عبد الإله بنكيران في سياساته.

الهدف من الإبقاء على رئيس الحكومة السابق هو المغانم الانتخابية الكبيرة التي جناها هو بنفسه طيلة فترة جلوسه على رأس الأمانة العامة. وخطاباته العنترية التي يستحسنها ألد أعدائه، وتدب في القلوب المحتشدة الساخطة حوله الأمل في تغيير محتمل طالما داعب أحلامهم، ليهرعوا إلى مكاتب الاقتراع وينتخبون من أتقن  فن الخطابة واستعمل «الدين» أحسن استعمال.

تقديس بنكيران ليس محض صدفة،بل هو نتيجة اعتماده كلاما عذبا أحيانا وأحيانا أخرى نبيلا وأخرى حماسيا، وحده القادر على الحفاظ على أصوات الناخبين، دليلنا على ذلك فشل حزب العدالة والتنمية في الانتخابات الجزئية التي لم ينزل فيها بنكيران للمعركة الانتخابية، وحافظ على مقعد واحد فقط في مجلس النواب بمدينة تطوان.

انتشال المريدين للشيخ بنكيران من أفكارهم ضرورة ملحة حماية للحزب. على الأمين العام حثهم على رص الصفوف وإقناعهم بأن عبد الإله بنكيران يموت والحزب لا يموت، بل يستمر في نضالاته حتى الرمق الأخير وبأعضائه كافة، وأن الزعيم الأوحد لا مكان له داخل الحزب بل في الأنظمة الديكتاتورية فقط.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد