صلاح الدين رأي أن الاستعجال في إلغاء الخلافة الفاطمية أمراً غير محمود وقد ينشأ عنه فتنة عظيمة، ولكنه بدأ في ذلك ولكن بخطوات بطيئة ولكنها كانت متأنية.

لا يوجد شك في أن شخصية صلاح الدين الأيوبي من أكثر الشخصيات جدلًا في التاريخ الإسلامي وذلك لأسباب كثيرة، من بينها وجوده في فترة صعبة وخطيرة في العالم الإسلامي، حيث أصيب الأخير، بانحلال كبير وبدأت تنقسم الدولة العباسية إلى دول صغيرة مثل الدولة الفاطمية والتي نشأت في مصر، والدولة السلجوقية والتي تم تأسيسها على يد قبيلة قنق، فضلًا عن بدء غزوات الصليبين على العالم الإسلامي.

صلاح الدين تعامل مع جميع المخاطر التي ذكرناها، ولكن تعامله مع فرقة الشيعة يعتبر من أدق الأمور وأكثرها جدلًا حتى الآن، حيث دائمًا ما يُتهم صلاح الدين بأنه ارتكب المجازر في حق الشيعة، وخصوصًا بعد دخوله مصر، والتي كانت تحت ظل حكم الدولة الفاطمية الشيعية، ولكن ما هي الحقيقة؟ وكيف تعامل صلاح الدين الأيوبي مع الدولة الفاطمية في مصر؟

كيف دخل صلاح الدين الأيوبي مصر؟

بدأ ظهور صلاح الدين الأيوبي على الساحة تحديدًا خلال الحملة الثالثة التي قام بها الملك العادل نور الدين محمود على مصر، وذلك بعد أن استنجد به الخليفة الفاطمي العاضد وأرسل له خصلات من شعر زوجاته، وقال له وفقًا لابن الأثير في كتابه الكامل في التاريخ: «هذه شعور نسائي يستغثن بك لتنقذهن من الفرنج».

نور الدين محمود، هو الابن الثاني للملك عماد الدين زنكي مؤسس الدولة الزنكية، وتصدى بقوة للحملة الصليبية الثانية، ونجح في توسيع إمارته، وفتح القدس بعد توحيده لمصر والشام في دولة واحدة.

ولكي يحث العاضد نور الدين، عرض عليه أنه سيعطي له ثُلث بلاد مصر، مع السماح لقائد جيشه شيركوه بالبقاء في مصر.

العرض بالنسبة لنور الدين مُغر للغاية، وبدأ على الفور في تجهيز جيش ضخم ومنح قيادته لشيركوه.

وذكر ابن النديم ما قاله صلاح الدين الأيوبي، حول استعداد نور الدين لتسيير جيش الحملة الثالثة إلى مصر، فقال: «لما وردت الكتب من مصر إلى نور الدين أحضرني وأعلمني الحال وقال: تمضي إلى عمك أسد الدين مع رسولي إليه، ففعلت، فلما سرنا عن حلب ميلًا، لقيناه قادمًا، فقال له نور الدين: تجهز، فامتنع خوفًا من غدرهم – أي الفاطميين – أولًا، وعدم وجود ما ينفقه في العسكر آخرًا، فأعطاه نور الدين الأموال والرجال، وقال نور الدين: إن تأخرت عن مصر سرت أنا بنفسي، فإن ملكها الفرنج لا يبقى معهم بالشام مقام».

علم الوزير الفاطمي شاور بنبأ الجيش النوري – نسبةً إلى نور الدين محمود – وقربه من دخول مصر، فأخبر الملك عموري الأول ملك مملكة القدس بخبر الجيش، وحاول اعتراضه، ولكن شيركوه الخبير العسكري تمكن من دخول القاهرة بدون قتال وتفادى الجيش الصليبي في عام 1169م.

التخلص من الوزير الفاطمي المتلاعب شاور كان مطلب للجميع، وتحديدًا من القائد العسكري أسد الدين شيركوه، ولكي يتم التخلص منه تم تدبير حيلة بسيطة، حيث تم استدراجه إلى المعسكر الشامي بحجة مرض شيركوه وذهب إلى زيارته والاطمئنان على صحته، وبعد خروجه من عند شيركوه تم القبض عليه وذبحه.

هناك روايتان لواقعة قتل شاور نقلهم لنا الأستاذ عبد الرحمن عزام في كتابه «صلاح الدين وإعادة إحياء المذهب السني»، الأولى عن ابن الأثير والتي تؤكد أن مقتل شاور تم على يد صلاح الدين بدون علم عمه شيركوه، والذي لم يكن مستعدًا لمنح شاور أي فرص أخرى بعد ذلك، وأكد هذه الرواية ابن شداد كاتب سيرة صلاح الدين نفسه، والذي قال وفقًا لما نقله عزام، أن شيركوه أرسل رسول إلى شاور يحذره من مكيدة تدبر ضده.

أما الرواية الثانية لم يذكر فيها صلاح الدين نهائيًا، وهي تقول إن اثنين من رجال شيركوه وهما، برغش وجرديك، ذبحا الوزير الفاطمي المشاكس شاور.

بعد مقتل شاور، أصبح الحاكم الفعلي لمصر هو شيركوه، ولكن توفي بعد شهرين من توليه الوزارة، وتولاها من بعده ابن أخيه صلاح الدين الأيوبي، ليصبح آخر وزير للدولة الفاطمية في مصر.

أصبح صلاح الدين الأيوبي وزير الدولة الفاطمية، وتحديدًا في 26 مارس 1169م، وتمت مراسم التنصيب في قصر الوزارة، وتلقى خلعة فاخرة، بالإضافة إلى سيف وعدد من الهدايا الثمينة من الخليفة العاضد، وحصل على لقب جديد وهو «الملك الناصر».

الأيام الأخيرة من حياة الدولة الفاطمية

بمجرد وصول صلاح الدين الأيوبي إلى منصب وزير مصر، أرسل له نور الدين رسالة مفادها القضاء على الدولة الفاطمية على الفور وبدون أي تردد وبكل قوة، وتلك الرسالة أتت بعد إلحاح الخليفة العباسي المستنجد بالله، والذي يريد أن يضم مصر مرةً أخرى ضمن خلافته، والقضاء على الخلافة الفاطمية والتي كانت تلفظ أنفاسها الأخيرة بالفعل.

يقول أبو شامة نقلًا عن المؤرخ الشيعي ابن أبي طي قوله: «أرسل الخليفة المستنجد بالله من بغداد إلى نور الدين يعاتبه في تأخير إقامة الدعوة له بمصر، فأحضر نور الدين، نجم الدين أيوب، والد صلاح الدين الأيوبي، وألزمه الخروج إلى ولده بمصر، وحمّله رسالة منها: (وهذا أمر يجب المبادرة إليه، لتحظى بهذه الفضيلة الجليلة، والمنقبة النبيلة، قبل هجوم الموت، وحضور الفوت، لا سيما وإمام الوقت – يقصد هنا الخليفة العباسي – متطلع إلى ذلك بكلّيته، وهو عنده من أهم منيته)».

صلاح الدين رأي أن الاستعجال في إلغاء الخلافة الفاطمية أمر غير محمود وقد ينشأ عنه فتنة عظيمة، ولكنه بدأ في ذلك ولكن بخطوات بطيئة ولكنها كانت متأنية.

البداية كانت في عام 1170م، حين قرر صلاح الدين إلغاء عبارة «حي على خير العمل» الشيعية في الأذان، ثم قام بإدخال أسماء الخلفاء الثلاثة، أبي بكر الصديق، وعمر بن الخطاب، وعثمان بن عفان، في خطبة يوم الجمعة قبل اسم علي بن أبي طالب، رضوان الله عليهم جميعًا.

أما الدعاء للخليفة العباسي في خطبة الجمعة أمر أخذ من صلاح الدين الكثير من التفكير لتنفيذه، حيث بدأ في عام 1171م بإسقاط اسم الخليفة الفاطمي من الخطبة، واكتفى بذلك فقط حتى لا يثير حفيظة المصريين حيث كان يخاف من رد فعلهم، ووصل إلى الخليفة العاضد نبأ إسقاط اسمه من خطبة الجمعة، وعندما سأل عن الاسم الذي تم تعيينه، قالوا له إنهم لم يسموا أحدًا، فرد قائلًا: «الجمعة التالية يخطبون لرجل مسمّى»، وكان صادقًا لأنه توفى قبل يوم الجمعة التالية عن عمر ينهاز الحادية والعشرين عام 1171م.

صلاح الدين الأيوبي وتعامله مع الدولة الفاطمية وفقًا للنظرة الشيعية

قد يندهش البعض عندما يعلم أن الشيعة قديمًا انقسمت إلى قسمين بشأن شخصية صلاح الدين، لأنه كان يتعامل بشكل مختلف مع فرقتي الشيعة، الإمامية والتي رأى أنها أقرب كثيرًا إلى أهل السنة، والإسماعيلية والتي عانى منها كثيرًا وكاد أن يقتل على يد رجالها في أحد المرات.

يقول الدكتور محمد الشنقيطي، أن الشيعة الإمامية وجدت صلاح الدين حليفًا محل ثقة، وأكبر دليل على ذلك النصوص الباقية من كتاب المؤرخ الشيعي الإمامي ابن أبي طيّ «كنز المؤمنين في سيرة الملك صلاح الدين»، والذي يعبر عن وجود علاقة قوية بين صلاح الدين والشيعة الإمامية.

ويضيف الشنقيطي أن ابن أبي طيّ عاصر صلاح الدين، وكان معجبًا به إعجابًا كبيرًا، وقام بتأليف كتابه المعنون «كنز المؤمنين في سيرة الملك صلاح الدين» ولكن للأسف لم يصل إلينا سوى بعض المقتطفات منه، قام بنقلها أبي شامة في كتابه «عيون الروضتين».

وبالنسبة لواقعة دخول صلاح الدين لمصر، لم يتعاطف ابن أبي طيّ مع الفاطميين، حيث إنه لم يدعهم شيعة، وذكر ابن شامة أنه كان دائمًا ما يدعوهم، الإسماعيلية أو المصريين.

أما وجهة النظر المعاكسة ترى أن صلاح الدين مغتصب مثله مثل الفرنج، بل جرمه كان أكبر منهم، لأنه كان وزيرًا للخليفة الفاطمي، حيث إنه أهانه وحدد إقامته وأسقط اسمه من خطبة الجمعة.

ففي كتاب «الشيعة والحاكمون» لمحمد جواد مغنية، يرى الكاتب أن صلاح الدين بدلًا من أن يكافئ العاضد على إحسانه أخذ يكيد له، ويضايقه، وانتزع منه السلطة، بل وصادر جميع أمواله، حتى الفرس الذي كان يستخدمه.

ويضيف مغنية قائلًا: «وعزل صلاح الدين القضاة الشيعة، واستناب عنهم قضاة شافعية، وأبطل من الأذان (حي على خير العمل) واختفى مذهب التشيع إلى أن نُسيَ من مصر، وكان يحمل الناس على التسنن، ومن خالف ضُربَت عنقه.

أما عن تعامل صلاح الدين مع الأسرة الحاكمة، يقول مغنية، أنه تعامل معهم بنوع من النذالة والخسة، حيث قبض على سائر من بقي من أمراء الدولة، وحبس بقايا العلويين في مصر، وأعاد يوم مقتل الحسين عيدًا الذي كان قد سنه بنو أمية والحجاج الثقفي.

من وجهة نظري، مغنية تحامل بشكل كبير جدًا ضد صلاح الدين في نقطة تعامله مع الأسرة الحاكمة، فالتاريخ ثبت أنه تعامل معهم بمنتهى الكرم والسخاء، والدليل على ذلك شهادة نجل الخليفة العاضد الأمير أبو الفتوح أمام المؤرخ أبي شامة.

يقول المؤرخ أبي شامة: أخبرني الأمير أبو الفتوح ابن العاضد – وقد اجتمعت به وهو محبوس بقلعة الجبل بمصر – أن أباه في مرض موته استدعى صلاح الدين فحضر، قال: وأحضرنا – يقصد هنا أولاد العاضد – فأوصاه بنا، فالتزم إكرامنا واحترامنا، رحمه الله.

ويضيف أبي شامة في موضع آخر، أن صلاح الدين احتاط على أهل العاضد وأولاده في موضع في خارج القصرـ وقرر لهم ما يكفيهم، ولكنه أشار أيضًا إلى أنه فرق بين النساء والرجال ليبيد نسلهم.

وفي النهاية ختم محمد جواد هجومه على صلاح الدين بجريمة حرقه للمكتبة الفاطمية، حيث قال إنها كانت بالقصر الفاطمي، وكان بها ما يزيد عن مئتي ألف مجلد في سائر العلوم والفنون، في الفقه والحديث، واللغة والتاريخ والأدب والتاريخ والأدب والطب والكيمياء والفلك وغيرها.

بينما ذكر أبي شامة عن واقعة المكتبة الفاطمية ما نصه: «لم يكن في جميع بلاد الإسلام دار كتب أعظم من الدار التي بالقاهرة في القصر».

لا يوجد شك في أن جريمة إتلاف وإحراق مكتبة القصر الفاطمي، جريمة لا تغتفر لصلاح الدين، ونقطة سوداء في تاريخه، وكان من الممكن جرد محتوياتها وقراءتها ومعرفة ما بها من معلومات ودراستها وتحليلها بدقة لمعرفة كيف كانت تفكر هذه الدولة.

ولكن يوجد من يرى أن إحراق المكتبة هي من أعظم أعمال صلاح الدين، وهو الدكتور محمد الصلابي حيث قال: «واستولى صلاح الدين على كتب الدعوة الإسماعيلية، التي احتوت عليها مكتبة القصر الفاطمي، فأحرقها وألقاها على جبل المقطم، ثم فرق الكتب غير المذهبية التي صودرت من المكتبة على كبار علماء دولته».

وهنا نطرح على الدكتور الصلابي سؤالًا مهمًا، حسب جميع المؤرخين احتوت هذه المكتبة على ملايين الكتب، هل قام صلاح الدين بمراجعتها جميعًا لكي يفرق بين الكتب المذهبية والكتب غير المذهبية؟

في الختام أرى أن صلاح الدين الأيوبي لم يكن قديسًا أو ملاكًا أو معصومًا، حيث قام بأمور عظيمة خلدها التاريخ مثل محاربته للصليبين، وأمورًا أخرى دلت على أنه كان يملك نقط ضعف في شخصيته.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

تاريخ

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد