بعد انتصار الجنرال هنري غورو على جيش المتطوعين السوريين في معركة ميسلون، المكون في غالبه من متطوعين جاؤوا ليدافعوا عن وطنهم ضد فرنسا التوسعية، ورفضًا لمخططات التقسيم التي كتبتها القوى الاستعمارية المنتصرة في الحرب العالمية الأولى، الذين خطوا اتفاقية سايكس – بيكو من أجل تقاسم تركة الرجل المريض: الخلافة العثمانية التي كانت حامية المسلمين والأقليات العرقية واللغوية أو الدينية التي تعيش تحت جناحيها.

بعد انتصار هنري غورو على الجيش السوري معتمدًا على تفوقه في العدد والعتاد، ومستفيدًا من خيانة عملاء على الأرض، توجه هنري غورو بجيشه نحو حاضرة الشام دمشق التي أصبحت مكشوفة بدون دفاعات، ودخل ضريح صلاح الدين الأيوبي، ورفس القبر برجله قائلًا: نحن قد عُدنا يا صلاح الدين!

إن كان أغلب المسلمين قد نسوا أحداث الحروب الصليبية، فإن من قادة الغرب من لم ينس، وتحديدًا التيارات المتصهينة المساندة للاحتلال الاسرائيلي، أو جماعة المحافظين الجدد بأمريكا، ذات الأطماع السياسية والاقتصادية بالشرق الأوسط، والتي كانت وراء التصريح الشهير للرئيس الأمريكي الأسبق جورج بوش الابن بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر عندما قال: This crusade, this war on terrorism is going to take a while. أي: هذه الحملة الصليبية، هذه الحرب على الإرهاب سيستلزمها وقت.

القائد والملك صلاح الدين الأيوبي، شخصية تاريخية عاشت في زمنها وفق الأحوال والقوانين التي حكمت ذلك العصر، وكباقي البشر له أخطاؤه وإصاباته، وكباقي القادة كانت له حسناته وسيئاته، ونحن نتفهم أن يأتي شخص ينتمي إلى أقصى اليمين في أحزاب الغرب أو أمريكا فيعبر عن حقده على صلاح الدين؛ لأن هذه الأحزاب والتيارات تعيش على نشر الإسلاموفوبيا، وكره الآخر، وإحياء الأحقاد من أجل جمع المتعاطفين واكتساب الشرعية، لكن ما لا يفهمه الكثيرون هو أن ينبري شخص من جلدتنا وديننا أو أوطاننا فيصب على شخص صلاح الدين الكثير من الشتائم في شكل نقد تاريخي، مثل نعته بمجرم الحرب، وعدوّ الإنسانية، ورأس مؤامرة خيانة سوداء ضد وجود الأمة، ووصفه بأنه غبي معتوه يحرق الكتب ويعبد البسطار.

لا نريد هنا أن نعطي طابع القدسية على أية شخصية تاريخية، ولكن هنا نريد أن نفصل بين تصفية الحسابات الفكرية والأيديولوجية لصالح إرضاء جهات أو دول معروفة، فصلاح الدين الأيوبي حظي بمرتبة خاصة من مؤرخي الشرق والغرب من حلفائه ومن أعدائه، من منصفي عصره ومن المؤرخين، وحتى السينمائيين المنصفين في هذا العصر، كما حصل في الفيلم السنمائي Kingdom of Heaven أو مملكة السماء، من اخراج ريدلي سكوت، وسيناريو ويليام موناهام.

في كتابه الذي صدر عن دار الكرز في القاهرة، بعنوان: قالوا عن صلاح الدين الأيوبي: شهادات من الشرق والغرب. قام الدكتور محمد مؤنس عوض بجمع عدد كبير من الشهادات والتحقيقات التاريخية عن صلاح الدين الأيوبي، من الشرق نورد شهادة الأديب المعاصر أمين معلوف، صاحب كتاب: الحروب الصليبية كما رآها العرب. الذي قال: وإذا كان صلاح الدين قد فتح القدس، فما كان ذاك لأجل المال، ولا حتى الانتقام. لقد سعى على الأخص إلى القيام بما يفرضه عليه ربه ودينه. وانتصاره أنه حرر المدينة المقدسة من نير الغزاة من غير حمام دم، ولا تدمير، ولا حقد، وسعادته هي أن يستطيع السجود في هذه الأمكنة التي لولاها لما استطاع مسلم أن يصلي فيها.

أما شيخ مؤرخي مصر والإسلام تقي الدين المقريزي، فقد مدح في صلاح الدين كثيرًا من الصفات، مثل التواضع والصبر وقوة الاحتمال والورع، وقبل كل ذلك الكرم الذي فاق بمراحل كرم حاتم الطائي، إذ يقول: لم يكن له فرس يركبه، إلا وهو موهوب، أو موعود به، وصاحبه ملازم في طلبه… وكان ورعًا، رأى يومًا العماد الكاتب يكتب من دواة محلاّة بالفضة فأنكرها، وقال هذا حرام، فلم يعد يكتب منها عنده. وكان لا يصلي إلا في جماعة، وله إمام راتب ملازم، وكان يصلي قبل الصبح أربع ركعات إذا استيقظ، وكان يسوي في المحاكمة بين أكبر الناس وبين خصمه، وكان شجاعًا في الحروب، يمر في الصفوف، وليس معه إلا صبي.

فإذا انتقلنا إلى المعسكر الغربي، فنرى كثيرًا من الشهادات الناصعة المشيدة بالسلطان صلاح الدين، خصوصًا في قضية الأسرى، وتسامحه معهم إكرامًا لنسائهم وذراريهم، ومن ذلك ما ذكره المؤرخ الصليبي أرنول المعاصر لصلاح الدين، إذ قال: اجتمع كثير من النساء اللاتي دفعن الجزية، وذهبن للسلطان يتوسلن قائلات: إنهن إما زوجات أو أمهات أو بنات لبعض من أسر أو قتل من الفرسان والجنود، ولا عائل ولا سند لهن الآن ولا مأوى، ورآهن يبكين؛ فبكى معهن تأثرًا وشفقة، وأمر بالبحث عن الأسرى من رجالهن، وأطلق الذين وجدهم منهم، وردهم لنسائهم. أما اللاتي مات أولياؤهن، فقد منحهن مالًا كثيرًا جعلهن يلهجن بالثناء عليه أينما سرن، ثم سمح السلطان لهؤلاء الذين منحهم الحياة والحرية وأغدق عليهم نعمه، بأن يتوجهوا مع نسائهم وأولادهم إلى سائر إخوانهم اللاجئين في مدينة صور.

كما نجد أن المؤرخ البيزنطي نيكتاس خونياتس، الذي شاهد بأم عينيه سقوط القسطنطينية في يد الصليبيين عام 1204م وما فعلوه بهذه المدينة العريقة من سلب ونهب وهتك أعراض نسائها، حتى راهبات الأديرة لم يسلمن من هذا الفعل الفظيع، هذا المؤرخ حين يتحدث عن صلاح الدين ودخوله على رأس المسلمين القدس، تختلف نبرته وتعتدل لهجته ويقول: المسلمون أكثر رحمة من الصليبيين؛ فعندما استعادوا بيت المقدس عاملوا اللاتين بلطف ورقة، وحافظوا على حريمهم، ولم ينتهكوا، ولم يدنسوا على الإطلاق قبر المسيح، وحرصوا على عدم دفن موتاهم بجواره.

الهجوم على شخص صلاح الدين الأيوبي لا يختلف في الشكل والسياق عن الهجوم على باقي الشخصيات التاريخية من قادة أو فقهاء أو محدثين، وذلك من أجل تصوير التاريخ الإسلامي كساحة من القتل والتطرف والظلام، وأن سبب تخلف هذه الأمة هو تمسكها بتراثها وباحترام قادتها ورموزها التاريخيين، في الوقت الذي يخلد الغرب قادته وشخصياته التاريخية يريدون أن ينشئوا أجيالًا منفصلة عن تاريخها تقدس ريتشرد قلب الأسد، وتنظر إليه بإجلال وافتخار في حين لا تعرف من يكون صلاح الدين الذي قاتله في ساحة الشرف، وأرسل له أطباءه عند مرضه في ساعة الصلح والسلام.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد