وكعادته أطل علينا الدكتور يوسف زيدان بعد غياب طويل مثيرًا زوبعة أخرى، فقد اتهم الناصر صلاح الدين الأيوبي بأنه من أحقر شخصيات التاريخ، وأنه قد أحرق مكتبة القصر الكبير، وأنه قد عزل الرجال العبيدين (الفاطميين) عن النساء لكى يقطع نسلهم. ولكنه قال أيضًا في نفس الحلقة نقلًا عن ابن خلدون أنه لا بد من إعمال العقل في الخبر.

وأنا سأقوم بإعمال العقل والنقل في خبركم هذا يا دكتور يوسف.

أحقر شخصية في التاريخ

من المحزن أن يوصف الناصر صلاح الدين بمثل هذا، وخاصة أن من يصفه هو شخص ذو علم وقراءة وثقافة، وبالأخص أنه مسلم. فقد تغنى المستشرقون بشهامة وسماحة وفروسية ونبل صلاح الدين. وقد أشاد الجميع بمنهجه العسكري إبان الحروب الصليبية. ونسجوا حوله الأساطير مما جعلهم يدعون أن له أصلًا مسيحيًا وأنه تم تعميده سرًا لعدم تصديقهم أن مثل هذه الأخلاق قد تصدر عن قائد غير مسيحي.

أقوال بعض المستشرقين عن صلاح الدين

«يظهر أن أخلاق صلاح الدين الأيوبي وحياته التي انطوت على البطولة، قد أحدثت في أذهان المسيحيين في عصره تأثيرًا سحريًّا خاصًا، حتى إن نفرًا من الفرسان المسيحيين قد بلغ من قوة انجذابهم إليه أن هجروا ديانتهم المسيحية، وهجروا قومهم وانضموا إلى المسلمين» المستشرق توماس أرنولد، كتاب الدعوة إلى الإسلام

«كان يعامل خدمه أرق معاملة، ويستمع بنفسه إلى مطالب الشعب جميعها، وكانت قيمة المال عنده لا تزيد على قيمة التراب، ولم يترك في خزانته الخاصة بعد موته إلا دينارًا واحدًا؛ وقد ترك لابنه قبل موته بزمن قليل وصية لا تسمو فوقها أية فلسفة مسيحية». ويل ديورانت، كتاب قصة الحضارة

«أثار العدو الأكبر صلاح الدين إعجابًا واسع الانتشار بين الغربيين؛ فقد شن الحرب بإنسانية وفروسية، برغم قلة من بادلوه هذه المواقف… ووصل الأمر إلى حد أنه ظهرت في القرن الرابع عشر قصيدة طويلة جرى العرف على تسميتها «صلاح الدين» وأعيدت فيها صياغة حوادث الأساطير القديمة، وذلك لأن فارسًا من هذا الطراز الرفيع يجب بالضرورة أن يصبح منتميًا إلى الأسرة المسيحية، وهكذا قيل إن أمه هي الكونتيسة بونثيو التي تحطمت سفينتها على الساحل المصري، وأنه هو نفسه اعتنق المسيحية وهو على فراش الموت». مكسيم رودنسون، كتاب الصورة الغربية والدراسات العربية والإسلامية

«وَعَى المسيحيون في الغرب بقدر من عدم الارتياح أن ذلك الحاكم المسلم قد سلك مسلكًا يتوافق مع المبادئ المسيحية بخلاف مسلك محاربيهم الصليبيين لدى فتحهم أورشليم. وهكذا خرجوا بأساطير جعلت من صلاح الدين «مسيحيًّا شرفيًّا»، حتى إن بعض تلك الأساطير قالت بأنه كان قد تم تعميد صلاح الدين في السر». كارين أرمسترونج، كتاب القدس مدينة واحدة و ثلاث عقائد

هذا غيض من فيض مما ذكره الأعداء من المستشرقين عن أحقر شخصيات التاريخ، على حد تعبير د.يوسف زيدان، ألم يقرأ الدكتور يوسف هذه الشهادات، أم تنساها، أم أنه «شغل مانشتتات» كما قال؟

هل عزل صلاح الدين الفاطميين عن نسائهم لقطع نسلهم؟

هل تعلم عزيزي القارئ أن صلاح الدين قد اتهم بالتساهل والتمييع في معاملته للفاطميين من قبل المؤرخ ابن الأثير، فقد حاول الناصر صلاح الدين أن يضم الجنود الفاطميين إلى جنوده. ونظرًا لكثرة المؤامرات من قبل الجند الفاطميين، لم يكن أمام صلاح الدين إلا التعامل بالحزم معهم، فقام بإعدام ثمانية من الجند الفاطميين وذلك لخيانتهم وليس كونهم من الشيعة كما يحاول أن يروج الدكتور يوسف زيدان، مما أدى إلى هرب بقية الجند وكان عددهم قرابة الـ100 ألف إلى شمال أفريقيا والهند. كما أورد مؤرخ الدولة المصرية المقريزي في كتابه السلوك لمعرفة دول الملوك

وقد أعجبني تعليق أحد المدونين على موقع الفيس بوك «الأستاذ أحمد الحماحمي» وسأنقل تعليقه بتصرف، حيث قال: «ألم يكن من السهل بدلا من كل هذا السجن والعزل، أن يعرض نساءهم علي جنوده أو يرحلهم أو يبيعهم أو أي شيء كمنهج السفاحين الأشرار، بدلا من إقامة هذا المعسكر الذي لم نسمع عنه في أي كتاب من كتب المؤرخين المتقدمين أو المتأخرين؟».

بالفعل ألم يكن من السهل أن يفعل ذلك كونه من أحقر شخصيات التاريخ كما ادعى الدكتور يوسف زيدان؟!

ماذا حدث لمكتبة القصر الكبير؟

لقد تعرضت مكتبة القصر الفاطمي ومكتبة دار العلم لأزمات كثيرة، فأولها كانت الأزمة الاقتصادية والسياسية في عهد الخليفة الفاطمي المستنصر بالله (الشدة المستنصرية) عندما استولى الجند الأتراك على زمام الأمور في مصر عام 461هـ ونهبوا قرابة الـ 18000 مجلد من العلوم القديمة، بالإضافة إلى 2400 مخطوطة للقرآن بزخرفات ذهبية وفضية، واقتسمها الوزير أبي الفرج محمد بن جعفر والوزير ابن الموفق كتعويض مقابل خدماتهما وأموال موظفيهما، التي كان الديوان يدين بها لهما ورغم أن حصة أبي الفرج خمسة آلاف دينار إلا أنه أخذ ما يساوي المائة ألف دينار ونهبت من داره بعد أقل من شهر، عندما فر الوزير يوم انهزام ناصر الدولة ابن حمدان، وذهبت أغلب هذه الكتب إلى عماد الدولة ابن المحترق بالإسكندرية، وبعد مقتله انتقلت للمغرب بالإضافة إلى ما استولت عليه قبيلة لواته الذين عاشوا بدوا على الطرف الغربي لدلتا النيل (ليبيا اليوم) فجعلوا جلودها أحذية لخدمهم وجواريهم وحرقوا الأوراق؛ لأنها تضمنت عقائد دينية إسماعيلية مما يناقض معتقداتهم، وشكل الرماد تلالا عظيمة في منطقة الأبيار، التي لا تزال حتى اليوم تدعى بتلال الكتب، كما رمي كثير منها في النهر أو أتلف سوى قليل حمل إلى سائر الأمصار. راجع اتعاظ الحنفاء للمقريزي

وأورد أبو شامة في الروضتين، أن صلاح الدين الايوبي قام ببيع الكتب المتبقية بالمكتبة بأرخص الأثمان، وقد تولى بيعها ابن صورة دلال الكتب، فحصل القاضي الفاضل على قدر كبير منها بما يقدر بمائة ألف مجلد. وقد ذهبت مكتبة القاضي الفاضل الموجودة في مدرسته هي الأخرى وتفرقت في نهاية القرن السابع الهجري عندما وقع الغلاء بمصر في سنة 694هـ في فترة حكم السلطان الملك العادل كتبغا المنصوري فصار الطلبة يبيعون كل مجلد برغيف خبز.

خلاصة القول، لم يحرق الناصر صلاح الدين مكتبة القصر. لأنها لم تحترق من الأساس ولكنها نهبت من قبل بعض الفاطميين وأعوانهم.

كما رأيت عزيزي القارئ، فقد أعملنا العقل والنقل في الخبر الذي أخبرنا به الدكتور يوسف زيدان، لذا أرجو منك أنت أيضًا أن تراجع ما قلته، فقد أوردت المصادر الخاصة بكل خبر أخبرته في هذا المقال، وهذا ما لم يفعله الدكتور يوسف زيدان للأسف.

لا أدري ماذا أسمي ما قاله الدكتور يوسف زيدان في البرنامج؟

هل قرأ الدكتور يوسف زيدان تلك المصادر قبل أن يتكلم عن تلك الحقبة التاريخية؟

إن كان لم يقرأ فهذا جهل.

وإن كان قد قرأ وخرج علينا بتلك الادعاءات فهذا يسمى تدليسًا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد