كعادته أقام الدنيا ولم يقعدها فتنة وجدلًا؛ عن الروائي الدكتور يوسف زيدان الذي اشتهر بروايتيه (عزازيل) و(النَّبطي) أتحدث؛ حيث اشتهر في الآونة الأخيرة بإنكاره حادث المعراج، وختم، في معرض تعريج تاريخي سريع بأحد برامج التوك شو، بوصف الملك الناصر يوسف صلاح الدين (532 – 589 هـ/ 1138 – 1193 م)، بأنه «من أحقر شخصيات التاريخ»، وحاشاه! يأتي ذلك، من وجهة نظري، في إطار حملة ليست بريئة في معظمها تهدف إلى التشكيك في ثوابت عقدية أو تاريخية أو مجتمعية، وفي وقت لا يحتمل الفوران المجتمعي هنا وهناك؛ إذ لا طاقة للناس أجمعين بمتغيرات طارئة عديدة ما كانت لتظهر لولا آليات ممنهجة عملت عليها نخبة جعلت تضرب في الثوابت دون تحقيق أكاديمي ممنهج، وقامت طائفة أخرى ترد بلا هوادة انتصارًا لثوابت، وتوفيرًا لجهد علمي مطلوب، وبين هؤلاء وأولئك بون من اللقاء يتسع، وعليهم الناس يتفرجون! ولا حول ولا قوة إلا بالله.

تأتي قولة زيدان هذه دون تمحيص أو تحقيق تاريخي أمين، وتُوجَّه إلى عامة الناس الذين استقوا تاريخهم في الأغلب الأعم، ومنذ زمن بعيد، من مصادر روائية تخضع لوجهة الراوي أو الكاتب، أو درامية تسير وفق رؤية المخرج وفريق العمل، وتغيير ما يلزم لحبكة المشهد، حتى إننا لا نعرف صلاح الدين نفسه إلا وفق شخصية الممثل المصري الراحل أحمد مظهر.

وبعيدًا عن الفيلم والصورة النمطية المستقرة في أذهان الناس حول شخصيات بعينها؛ فإننا وقد علَّمنا البحث الأكاديمي أهمية التثبت والتحقق من كافة المصادر والمراجع التاريخية، ودراسة تاريخ الرواة، وتحقيق زمن الكتابة ودوافعها عند من يتصدى لها، وليس من اللائق لزيدان أو غيره أن يتجرأ على ذلك الرجل الذي كان قائدًا فذًا غيورًا على دينه وأمته، وسياسيًا مناورًا استطاع محاربة الصليبيين أو مفاوضتهم أحيانًا، حتى استطاع تجميع قواته، والقضاء على كافة العقبات التي واجهته، وحقق هدفه باستعادة بيت المقدس أو فلسطين قبل أن يضيعها أبناؤه من بعده؛ نعم لا شكَّ وهو القائد العظيم أن يخطئ في قرار أو أن ينحاز إلى عصبية. وعلى أهل التحقيق أن يبينوا ذلك في ظل الظرف التاريخي ومواءمته يومئذ. وليس ذنب صلاح الدين أن يطمع أبناؤه وإخوته، حتى انهيار الدولة الأيوبية، وحلول المماليك من بعدهم.

ثمة مصادر تاريخية وكثير من المعاصرين يذكرون ما كان من صلاح الدين إزاء الفاطميين، وما كان من تعطيل الصلاة في الجامع الأزهر نحو مائة عام، حتى أعادها الظاهر بيبرس، بالإضافة إلى اتهام وزير صلاح الدين الأيوبي «قراقوش» بهدم بعض الأهرام الصغيرة المجاورة للأهرام المعروفة؛ واستخدام حجارتها لبناء قلعة القاهرة وقناطرها الخيرية، فضلًا عن أسوار عكا من بعد. أقول: إن بعض ذلك أو كله، إنما يحمل على انتقاد فعله أو قراره ولا مانع عندي في إطار من الاعتدال والنقد الموضوعي لفترة لها ظروفها السياسية والمذهبية والاجتماعية، ويشير أهل التحقيق والفكر إلى أنه كان ينبغي كذا وكذا، ولا ينبغي مثل كذا؛ لكن أن يذهب زيدان أو من على شاكلته بالتجرؤ وصفًا بالتحقير لشخصية تاريخية فذة، يتطلع الناس كل يوم إلى مُخلِّص مثله للمسجد الأسير من أيدي الصهاينة، أو إعادة الهيبة المفقودة لأمة جريحة، فذلك ما لا يقبله إلا نطعٌ أو عدوٌ مبين!

أكررُ: أيها السادة انتبهوا، إن التاريخ لا يناقش على مصاطب التوك شو، ولا بنميمة المقاهي! التاريخ يحتاج إلى تأمل وتفكر ونقد، غير أنه لا بد أن يكون من أجل التحقيق والتثبت، لا من أجل الهدم ونحقير الثوابت.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد