إن المتأمل في حالة هذه المجتمعات الإسلامية يجد أن العمل الأساسي الذي أدى إلى تأخرها وتقهقرها، راجع بدرجة أساسية إلى الفكر وكيفية إعماله وما هو اهتمامه وميوله وفي ماذا يتم إشغاله.

نعيش اليوم حرب مصطلحات،  وهي تلعب درجة كبيرة من التأثير في المجتمعات، خاصة إذا تحولت إلى مفاهيم وقد أفردنا في هذا المصطلح مقالا مفصلا يمكن الرجوع إليه، ومعرفة ما هي المفاهيم وكيف تؤثر في السلوكيات، فالذي يعي اليوم هذه المفاهيم والمصطلحات سيتعايش معها من دون أن يحدث أي تصادم بها وسيدرك كم كانت هذه المصطلحات خاطئة وسيتمكن من تجنبها

مصطلح السلفية، في مجمعاتنا اليوم طغى عليها هذا المصطلح ـــــ السلفيةـــــ وقد أخذ بعدًا آخر, ومنحًى أعمق مما تتخيل، فقد أصبح له وزن في المجتمع, ويتم قياس الأفراد بواسطته بل قد أصبح هناك مفترقات تنشأ من جرائها, وحتى صراعات ونزاعات ظاهرة كانت أم باطنة.

هل أنت سلفي؟ لماذا لست بسلفي؟ أنا لا أراك تتبع السلف فمظهرك غريب ويوحي بأنك لست بسلفي. وبقدر ما تعجب من هذه الأسئلة المختلفة، وغيرها المرتبطة بمصطلح السلف، وبقدر ما قد تصدمك أحيانا، غير أنها تثير في داخلك أمورا أخرى كأن يكون صاحب هذه الأسئلة يطرحها بنوع من الاستهزاء، أو أن يوحي لك بأنه مصطلح دخيل وغريب، لكن صراحة فإن التوجهات الفكرية الخاطئة المنتشرة في هذه المجتمعات تجعلك تتوقع الأكثر.

 

 

هل أنت سلفي؟

 

 

لا بد أن نعلم أولا ماهية السلفية وبعدها سيتبين هذا الخلل الذي نعاني منه وما محله.

 

 

إن السلفية ليست فرقة ولا منهجا شاذا في هذه الأمة ، ولا هي من الفرق الضالة والمستحدثة اليوم، إنما يقصد بها اتباع السلف الصالح فيما كانوا يقومون به، والسلف الصالح هم صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن اتبعهم، ففي حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول “إن خيركم قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم – ثم قال عمران راوي الحديث: فلا أدري بعد قرنيه قرنين أو ثلاثة – ثم يكون بعد ذلك قوم يشهدون ولا يستشهدون ويخونون ولا يؤتمنون وينذرون ولا يوفون ويظهر فيهم السمن” أخرجاه في الصحيحين.

 

قال تعالى : (كنتم خير أمة أخرجت للناس) [آل عمران: 110] فعن الضحاك: هم أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، والدعاة الذين أمر الله المسلمين بطاعتهم.

فالسلف هم إذا صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن تبعهم بنهجهم ونهج نبيهم فالأصل إذا أن يكون كل إنسان سلفيا أي متبع لمنهج السلف الصالح ولله در الشاعر حينما قال: “وكل خير في اتباع من سلف وكل شر في اتباع من خلف”.

فإن اتباعك للسلف إنما هو اتباعك لما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم قال الله تعالى { وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ اللّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً ذَلِكَ الْفَوْزُ العظيم }  قال ابن كثير ـ رحمه الله ـ : ” يخبر تعالى عن رضاه عن السابقين من المهاجرين والأنصار والتابعين لهم بإحسان ورضاهم عنه بما أعد لهم من جنات النعيم والنعيم المقيم “.

قال الشوكاني ـ رحمه الله:

” ومعنى { والذين اتبعوهم بإحسان} الذين اتبعوا السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار، وهم المتأخرون عنهم من الصحابة فمن بعدهم إلى يوم القيامة”.

هذا شرح مختصر لمعنى السلفية، لكن اليوم تحول مصطلح السلفية إلى فرقة، فلان سلفي، وفلان ليس بسلفي، وهذا الكلام يقود إلى العداوة والكره وأمور لا يحمد عقباها.

في حين أن الأصل في كل إنسان أنه سلفي وانتهى الأمر، بل الأصل أن لا نبقى نتسمى بهذه المصطلحات التي تقود للفرقة وإنشاء جماعات وعداوات.

 

 

لابد أن نعلم أن كل مسلم هو ببساطة سلفي وانتهى الأمر، ولا داعي لطرح مثل هذه الأسئلة، أو قول أن فلانا سلفي لأن له لحية أو يرتدي لباسا معينا، أو أنه يتكلم في الدين فنقول فلان سلفي، فاليوم في مجتمعاتنا قد ظهر هذا النهج الذي يسمي نفسه سلفي، لا يتكلمون إلا مع بعضهم، ولا يجالسون إلا من يتبعهم ومن يلبس مثلهم، حتى معاملتهم التجارية لا تتم إلا فيما بينهم، وانتشرت دعوة تسمى بالدعوة السلفية، وجماعة أيضا تسمي نفسها الجماعة السلفية، وحزب السلفية وهكذا، وهذا كله من عدم إدراك هذا المصطلح، فلا الأول فهم معناها واتبعه ببساطة من دون الحاجة إلى أن يسمي به غيره ومن دون الحاجة إلى الاعتقاد أن هناك فرقة، ولا الثاني قد أدرك شموليته ولم يحسبه إلا على نفسه، فهنا وقع الأول والثاني في أخطاء، فلا يمكننا أن نلوم بعضنا إذا، ولكن لا بد أن نعمل على فهمه وإدراك شموليته ومحيطه.

 

 
إن أساس التقهقر الذي نعاني منه راجع بالدرجة الأولى إلى الفكر، فقد أصبحت أمور ليس لها معنى تشغل بالنا وجل أفكارنا، بل وتقودنا لبناء نقاشات والجلوس على الطاولات لساعات والحديث في أمور يمكن أن ننهيها في دقائق إن لم أقل ثوانٍ معدودات.

 

 

خلاصة مقالي اليوم أن السلفي هو من يتبع السلف الصالح وما جاء من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فإن لم تكن سلفيا فماذا ستكون، غير أنه لا يجب أن نجعل من هذا قصة كبيرة وقضية عظيمة ونقول فلان سلفي وفلان ليس بسلفي لأنه لا يملك اللحية أو يلبس لباسا معينا ، فهذا هو جوهر المسألة إذا.

 

 

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد