(رُؤَى نَقديَّة لواقع وتاريخ التيار الإسلامي كلِّه بُغْيةَ الخروج مِن أزمته الحالية)

 
انتظم حديثُنا في الحلقة السابقة من هذه السلسة عن الجزء الثاني من المرض الثاني من أمراض التيار الإسلامي، ألا وهو (العجلة).

وذكرنا فيه العَرَضَيْن الثاني والثالث لهذا المرض العضال، ألا وهما:

–    الانشغال بحفظ وتحفيظ القرآن، دونَ تعلُّمه وتعليمه.

–    كثرةُ المُتَفَلِّتِين (المُنْتَكِسِين).

ونتناول في هذه الحلقة العَرَض الرابع، كما نوجز ما نراه سببًا في علاج هذا المرض، نسأل الله العون والسداد والهداية والرشاد.

العَرَض الرابع: انتشار ظاهرة خُطَباء (ضحايا) المستقبل. وهذا العَرَض حديثُ الظهور، لم ينتشرْ –فيما أعلم– إلا في العشر سنوات الأخيرة. وهذه الظاهرة –لِمَن لا يعلم– تتمثَّل في: تَصْدِير وتَصَدُّر غير المؤهلين من كل وجْهٍ، لإلقاء الخطب والمحاضرات في مساجد المسلمين، وعبر شاشات الفضائيات!

والمفاجأة، أن هؤلاء (غير المؤهلين) تتراوح أعمارُهم ما بين الخامسة والخامسة عشرة!! نعم! أنت لم تخطئ القراءة قارئي الكريم! إن تَصْدِير و–مِن ثَمَّ– تَصَدُّر الصبية صار (مُوضَة)! وكأن الناس صاروا أنْعامًا، ليس فيهم مَنْ يَعِي أو يفهم هذا العَبَثَ الذي يُلقيه خطيبُهم الصغير بعقله الضعيف ولسانه المُعْوَجِّ! ليس هذا فحسب، بل يُعجبون به، ويَحْتَفِلون به أَيَّمَا احْتفالٍ!

بل –وهذا من العجائب– يسألون اللهَ أن يجعل أبناءَهم مثله!!! وكأني أراكَ تتساءَل متعجبًا: ومِنْ أين لهؤلاء الصبية المساكين أن يتصدَّرُوا لمثل هذا، ولَمَّا يتعلموا شيئًا من علوم الشريعة أو أصول الدعوة؟!

فاسمحْ لي أن أُجيبَك سيدي: إن التصدُّر صارتْ له –بسبب العجلة– معاييرُ أخرى غير التي كنا نقرأها في كتب الأوَّلين، والآخِرين أيضًا، لقد صار مِن معايير التصدر نَدَاوَةُ الصوت، وحُسْنُ الإلقاء، وحفظُ –وإنْ لَمْ يَكُنْ مُتْقَنًا– خطبةٍ أو درسٍ لشيخٍ مشهورٍ، وضَبْطُ (الغُتْرَةِ) أو العِمامة على الرأس، و… و… كَفَى!!

ولا ينْقضي عجبُك إذا علمتَ أن مَنْ تَوَلَّى كِبْرَ هذه (الموضة) الشَّنْعاء=شيخٌ مِنْ أشهر الدعاة (السلفيين) على الإطلاق! ولم يَكْتَفِ بإعلان تأييده لهذا (الهراء) فقط، بل تَبَنَّى هؤلاء الصبيةَ، فأفْرَدَ لهم بَرنامجًا أسبوعيًّا على الهواء مباشرةً في قناةٍ يُشْرِفُ عليها شخصيًّا، وأَسْمَاهُ القائِمون عليها –زُورًا وبُهتانًا– (خُطباء المستقبل)!

واسمحْ لي قارئي الكريم بتسمِيَته بالاسم الحق الذي يليق به: (ضَحايا المستقبل)! ولا تعجبْ من وصفي لهم بـ (الضحايا)، فأنا أعرف عَمَّ أتكلّم، وإليك البيان:

ولكنْ قَبْلاً، دَعْنا نتَّفق على مبادئَ وقواعدَ نَحْتَكم إليها إنْ خالفتَني أثناء قراءَتك لما سأعرِضه عليك:

 
أولاً: أن التصدُّر للدعوة (الدروس والمحاضرات خاصةً) له أُسُسٌ وقواعدُ، منها العلم بموضوع الدعوة، وحال المدعو… إلخ.

ثانيًا: أن ذلك التصدر –من أي أحدٍ كان– عبادةٌ يُتعبَّدُ بها لله، فلا بُدّ لها من الإخلاص ومتابعة الدليل، وإلا صارتْ شِرْكًا، بفقْد الإخلاص، أو بِدْعَةً، بفَقْد الدليل.

ثالثًا: أن الحق لا يُعْرَفُ بالرجال، وإنْ عَظُمَ شأنُهم، وإنما الرجالُ –وإنُ حَقُرَ شأنُهم– يُعْرَفون بالحق.

رابعًا: أن كل أحدٍ يُؤْخَذُ من قوله ويُرَدُّ إلا المعصوم صلى الله عليه وسلم.

خامسًا: أنه ليس يُفْتَرَضُ في أي عالمٍ أو داعيةٍ الإحاطةُ بكل فروع العلم الشرعي، فضلاً عن الدُّنْيَوِيّ، مع تَحَفُّظِي على هذه القِسْمة، ولكن كما علَّمَنَا ربُّنا: “فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ” (النحل 43) و(الأنبياء 7).

لا أظنُّك-إن شاء الله– تُخالفني في أيٍّ من تلكم القواعد، فإليك إذًا البيانَ الذي وعدتُّك به:
إنَّ تصدر هؤلاء الصبية مرفوضٌ شرعًا وعقلاً وتَرْبَوِيًّا، كما يلي:

أما شرعًا: فقد وردتْ السُّنَّةُ بخلاف ذلك تمامًا، ففي الحديث الصحيح الشهير لمَّا سأل رسولُنا الكريم صلوات الله وتسليماته عليه جُلوسَه من الصحابة يومًا عن الشجرة التي هي كالمؤمن لا يَتَحَاتُّ ورقُها، يقول ابن عمر رضي الله عنهما: فَوَقَعَ في نفسي أنها النخلة، وكان في القوم أبو بكر وعمر رضي الله عنهما، فاسْتَحْيَيْتُ أنْ أتكلَّم. (وفي رِوايةٍ: فإذا أنا أصْغَرُ القَوْمِ فَسَكَتُّ). (صحيح البخاري: بابُ الفهم في العلم، ومَواضِعُ أخرى بألفاظٍ متقاربةٍ)

فانظرْ ماذا قال! هكذا كان أدبُهم، لا يتحدث الصغيرُ –وهو مَنْ هو علمًا وعملاً– في حَضْرَةِ الكبير، ولو بكلمةٍ واحدةٍ، لا خطبةٍ عَصْمَاءَ أمام الآلاف والملايين!

ثم إنَّه –أعني تصديرَ الصبية– لو كان خيرًا لكان أَوْلَى الناس به أبناءُ الصحابة، العربُ الأقْحَاحُ أربابُ الفصاحة والبلاغة، لا صِبْيانُنا الذين لا يُحْسِنُ أكثرُهم نُطْقَ الكلام الذي يَحفظُه –إنْ حفظه– فضلاً عن فهم معناه ومغزاه!

فلمَّا لم يُنْقَلْ إلينا –على طول فترة البعثة النبوية– مثلُ ذلك، عُلِمَ بالضرورة أنه ليس خيرًا، ولو كان خيرًا لسبقونا إليه، وكل خيرٍ في اتِّباع من سلف!

وأما عقلاً: فأيُّ عقلٍ في الاحْتفاء بحفظ صبيٍ صغيرٍ خطبةً أو درسًا، إنْ أَتقن الحفظ أصلاً، وليس في ذلك أيُّ فضلٍ منه، بل هي قدراتٌ ومواهبُ؟! وما ذنب من لا يستطيع حفظ الخطب والمحاضرات حتى لا يُحْتَفَى به مثلُ أقرانه؟!

ثم إن الأولى بالأب والأم اللذَيْن رَزَقَهُما الله صبيًا موهوبًا في الحفظ والإلقاء أنْ يَضَعَاهُ على سُلَّم العلم ليَتَدَرَّجَ فيه –كما تدرج صاحبُ الخطبة التي يحفظها ولدُهما– لا أنْ يقفزا به إلى نهاية السلم! كما أنه حَرِيٌّ بهما أن يَحُوطَانِه، ولا يُبالغا في إظهار موهبته لئلا تَنَالَها أعينُ العائِنِين والحاسدين في هذه السن الصغير.

وأما تَرْبَوِيًّا: فإنَّ تصدر الأطفال من أخطر ما يكون على حاضرهم ومستقبلهم!ةبيانُ ذلك في الحاضر: أنَّ شعورًا بالحرمان الدَّفِين يَنْتاب الطفلَ (الخطيبَ) حينما يَرى أقرانه يلهُون ويلعبون، بينما هو منشغلٌ بحفظ الخطب والمحاضرات والتَّنقُّل بين القرى والمدن لإفراغ ما حفظ! فالطبيعي بالنسبة لطفلٍ في مثل عمره أن يكون جُلُّ وقته في اللعب. فأين هو من بَراءة الأطفال ولَهْوِهم، والذي سيؤدي حرمانُه منه مستقبلاً إلى عُقَدٍ وأمراضٍ نفسيةٍ قد لا تُحْمَدُ آثارُها!

وكذلك شعورٌ بالكِبْر والعُجْب –وقد يصل سريعًا إلى الغرور– ينتاب ذلك الطفل الذي لم يكن يَأْبَهُ لكلامه أحدٌ، فإذا به –بين عَشِيَّةٍ وضُحاها– يتحول خطيبًا في الآلاف يستمعون –أو بالأحْرَى يَنْظُرون– إليه مَبْهُورِين!

ومن ناحيةٍ أخرى، فإنَّ أقران هذا الصبي (الخطيب) سينقسمون فرقًا ثلاثة، فريق امتلأ شعورًا بالحقد على هذا الصبي -لِمَا حَازَهُ مِن شهرةٍ وصِيتٍ- يدفعهم إلى التحاسد ومحاولات التَّنْقيص منه والاستهزاء به؛ لِيَجْبُرُوا النَّقْصَ الذي يشعرون به؛ إذْ لمْ ينالوا ما نال! وفريق سيبدأ في نفاقه وتملقه؛ سعيًا للدخول في دائرة الضوء التي سُلِّطَتْ على رفيق لهوهم! وفريق سيسعى في تقليده لعله يصيب مثلَ ما أصاب صاحبُه من الشهرة والصيت والوجاهة!

وهكذا ضاع الكل! وإنا لله وإنا إليه راجعون! وبيانُه في المستقبل:أن هذا الصبي لن يتعلم شيئًا بعد ذلك، ولن يَجْثُ على رُكْبتَيْه أمام شيخٍ ليأخذ عنه بعد ذلك، ولن يُتعِبَ نفسه أو يُذِلَّها للحصول على معلومةٍ –كما هو دَأْبُ طلبة العلم سلفًا وخلفًا– بعد ذلك؛ فهو قد صار شيخًا، ويقال له: الداعية الإسلامي (الكبير)، شاهدتُ ذلك بنفسي والله! فعلى يَدِ مَنْ يَدرُس؟ وقد صار أشهرَ من شيخِه! فكيف سيجلس له؟ وإنْ جلس، فأنَّى له بالتواضع للعلم وأهله؟ الذي هو مفتاح التعلم! ولماذا يُذلُّ نفسه أو يتعبها في البحث والتنقيب في بطون الكتب؟ وقد عرف الطريق الأسهل.. يحفظُ ويُفْرِغُ، والناس تُهَلِّل وتُكَبِّر فرحًا واحتفالاً؟!

عرفتَ الآن قارئي الكريم لماذا هم ضحايا المستقبل، لا خطباؤُه كما زعموا؟! هدانا اللهُ وإياهم طريقَ الحق.

العِلاج:
وللعلاج شِقَّان، فَرْدِيٌّ، ومَنْهَجِيٌّ:

فأما الفردي:

1 – مقاومة وتهذيب الجِبلَّة الإنسانية التي فُطِر الإنسانُ عليها، وذلك بتربية النفس على الحلم والأناة والصبر، وقد قال نبيُّنا الكريم صلى الله عليه وسلم: “إنما العلم بالتعلم، وإنما الحلم بالتحلم..” الحديث. (الدارقطني في الأفراد، وحَسَّنه الألباني) ويُعين في ذلك قراءةُ سِيَرِ الحُلماء من الأنبياء والرسل والدعاة والمصلحين.

2 – تَوسيعُ الأفق بقراءة التاريخ والنظرة الدائمة إلى عواقب الآراء والأقوال، والتَّطلعُ إلى ترك الأثر الحسن الذي يُخَلِّد الذِّكْرَ بعد الممات.

وأما المنهجي:

1 – إعادة النظر في المنهج الدعوي وترتيبِ أولوياته، فلا نستعجل الثمرة قبل إتقان الغَرْس والتَّعاهُد، فالبداية لا بد أن تكون بالتزكية قبل التعليم.

2 – تصحيح المفاهيم الخاطئة التي انتشرتْ بسبب الاستعجال في نشر الدعوة، ومِنْ ذلك التأكيد على أن التَّدين لا يكون بالمظهر وحدَه أبدًا، بل لا بد من توافق المظهر مع الجوهر، وإلا ضِعْنا وأَضَعْنا!

3 – الاهتمام، وبذل الوقت والجهد في تربية النشء على أسسٍ علميةٍ، لا على عَنْتَرِيَّاتٍ مَشْيَخِيَّةٍ!
في الحلقة القادمة بإذن الله نتناول المرض الثالث من أمراض التيار الإسلامي، فتابعونا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

أفكار
عرض التعليقات
تحميل المزيد