الرعب المقدس الخلافة

قلما يفكر السلفيون خاصة ما ناتج أفكارهم، وما جدوى تحركاتهم وهل يتحركون نحو هدف وهل يحققون بالفعل مقصد الرحمة؟ وهل يؤدون فهم الإسلام بفعالية وكفاءة؟! وماالخطوة التالية؟ ولماذا؟ وما مسؤولية كل مسلم؟ ومن مسؤول عن من؟ وهل لدينا المسلم المناسب في المكان المناسب؟ وهل الوقت يسع شعاراتهم؟ وهل الظرف مناسب!

لا ينكر أن الخطاب السلفي له صفة (الكلام الرصين)، لكن مسلك أصحابه وعرة، فهم لا يؤلفون متنًا يجمع بين الرحمة، وبين الناس وفهم الواقع، لابد من الاعتراف أن خطابهم كارثي كزلزال يميت الأرض بعد حياتها، ظاهره جوهر شفاف وباطنه سيف ودم وسم زعاف!

(قل موتوا بغيظكم) صرخ واحد من مجموعة شبابية سلفية وهم يختتمون هتافاتهم (دولة الاسلام باقية) بعد أن رفعوا رايات الدولة الاسلامية في العراق والشام!كان مسرح جمهرتهم وفوضويتهم وتحديهم في هولندا!

لا أعرف سبب ذلك ولكن تلقفت مواقع داعش ذلك وكأنه حدث تاريخي جلل!
إنه مشهد تحريضي وفج، ولا يمكن أن يمر دون تبعات على المسلمين المقيمين في أوروبا!

لابد أن نقر بأن من تجليات الخطاب السلفي هو هذا الألم الواضح (داعش) التمثيل الأتم للجهادية السلفية بكل هلوساتها الخلاصية، هذا التنظيم القاتل في البداية يدعوك: أن تصبح صالحًا، ومن ثم أن تطيل لحيتك وتقصر ثوبك في الوسط، وأن تكون قاتلًا في النهاية.

برز دور داعش في خراب الثورة السورية وفي تراجعاتها الإعلامية والميدانية!

وتبع ذلك ظهور البغدادي الذي أعلن من الموصل ولايته وتنصيبه خليفة المسلمين، تناول الناس خبر الأمر بين مستنكر وبين مستحمر لمن فعل هذا، وبين مندهش ومؤيد، وبين مبتسم، وغاضب عن الجميع أن ما يحصل هو فصل من مسرحية هزلية دموية مبكية صنعها المسلمون بأيديهم ورعاها مافيا السياسة وعقارب القتل وتجار الدم، داعش فتنة ولكنها جاءت أيضًا هدية من السماء للاعتراف بقصورنا الفقهي، أيضًا بدأ أمير داعش بخطابة سليمة المبنى قديمة المعنى والمبنى واستشهد بمفرداتنا ومصادرنا واعتلى المنبر متوشحًا بالسواد تيمنًا ببني العباس واستشهد بأحاديث في مسام وآيات قرآنية ولكنه لم يعرف ولم يقدر الظروف ولا تداعيات هذا الأداء ونسي أو جهل أن

الإسلام يضع أحكامًا تناسب الظروف ولكنه لا يحاول خلق الظروف التي تناسب أحكامه لأنه باختصار جاء سهلًا سلسًا مناسبًا لاحتياجات الإنسان الدائمة والمتجددة ولا يحتاج إلى أجواء ومناخات خاصة!

أي أنه يضع أحكامًا تتوافق مع المشاكل والحياة الإنسانية فالأحكام الاسلامية نصوص مقترحة من الشارع لتناسب كل الحالات الإنسانية ولذلك وفي ظل ظروف خاصة تسقط الأحكام الشرعية فالدين جاء خادمًا للإنسان وكلمة الله الميسرة لا المعقدة.

وعندما يصر الإسلام على مواءمة أحكامه للظروف يجبر أتباعه على السمو فوق الأفكار الغامضة، أو المثالية أو غير المتحققة والالتزام بطريق واحد لإنجاز رسالة الدين وحل المشاكل الإنسانية ويبني لك جسرًا بين مكانك الآن والمكان الذي تريد الوصول له فهو بمثابة موجه يمنح المصداقية ويزيد من فرص نجاحك في الحياة.

إنه رسالة وليس (فركة أذن)!

مشكلة الخطاب السلفي أنه يحافظ على الشكلانية والمظهرية ويدير عقارب الساعة إلى الوراء وغير دقيق ويعادي الإنجاز بحجة (البدعة) التي توسع في مفهومها حتى وقع في المضحكات!

ليس للفكر السلفي (مع التحفظ على كلمة فكر فليس للسلفية أي فكر بل هو حشد متناقض من المنقولات الترقيعية) لليس للخطاب السلفي أي منجز سوى نجاحه في جلب خيبات وانتكاسات وتشوهات ضد الإسلام وله خصلة متفردة وهي إجادته إدارة عقارب الساعة الى الوراء ونبش المشاكل الخلافية ورمي الناس بها.

يعتمد الفكر السلفي بكل تلوناته العلمية والجهادية على طابع واحد هو الفرقة الناجية التي تكفر بسواها ولعل السلفية هي من سن بين المسلمين معصية التكفير الديني والتفكير السياسي ومفارقة الانبطاح للحاكم.

استمع إلى شيوخ السلفية.

إنهم في هذا لا يختلفون عن رأي البوطي الذي كان هو أيضا تعبيرًا واضحًا على رأي المذاهب الأربعة في التعامل مع السلطان.

لماذا تتوافق النظريات الفقهية السلفية وحتى المذاهب الأربعة على آراء متناقضة ففي جانب تدعو إلى الخنوع وفي جانب آخر تدعو إلى الخروج؟!

النظرية الفقهية في التعامل مع الواقع السياسي أو ما يسمى بـ «الإمامة الكبرى وشروطها» كانت في غالبها ضامرة وذات قصور ومعنى يتجنب حقائق الشرع التي جاءت على أسس متينة من العدل والحرية.

لا بد أن نشهد قيمة العقل الفقهي المتوارث وأن نقرأ عبرته، لا نحفظ صورته، وأن ننتقل من الاستنساخ الدقيق له إلى الاستنتاج العميق منه.

إن القاعدة الأولى في التعامل مع هذا الناتج الفقهي تؤكد: إن الفهم الفقهي كان جهدًا بشريًا، وإن هناك مفارقة كبيرة بين (قدسية النص الإلهي أو البيان النبوي الصحيح) وبين (قول الشارح وما تركه من معنى تفسيري).

القاعدة الثانية:(المقدس مطلق) غير محدد بعوامل جغرافية وبظروف وقتية بينما المتن الفقهي على خلاف ذلك فالفقه ابن بيئته.

أي أن آراء فقهية عديدة ولدت نتيجة الواقع وضغوطاته، وعلينا أن نتحرر من الفقه المضغوط إلى رحابة الإسلام.

القاعدة الثالثة:نرى أن الأئمة والفقهاء الذين اجتهدوا في وضع هذه المذاهب والآراء هم بشر مثلنا. يعتريهم الصواب والخطأ، وإن اجتهاداتهم هذه لا تصبح ملزمة لكل عصر وزمان. فهي ليست قرآنًا منزلًا ولا سنة مفروضة.

القاعدة الرابعة:القرآن والسنة منهج وليس صياغة محددة: وهذا يعني أنه كما استقى الفقهاء هذه الآراء من القرآن والسنة فعلينا أن نفعل مثلهم فنعود إلى نفس المنبع الذي أخذوا منه بدلًا من العودة إلى آرائهم والاكتفاء بها!

وفي قضية الحكم بالذات نلاحظ أن معظم فقهاء تلك العصور قد تأثروا بعدة عوامل:

  • أولًا: تأثرهم بعصور الخلافة الرشيدة كمرجع رئيسي.
  • ثانيًا: تأثرهم بالفتن التاريخية التي حدثت بعد استشهاد سيدنا عثمان بحيث جعلوا همهم الأول استقرار الحاكم وعدم معارضته حتى لا تتكرر هذه الفتنة.لكنهم أخطأوا بذلك فعدم مشاركتهم في الشأن السياسي سبب فتنة متوارثة حتى زمننا هذا.
  • ثالثًا: إن الآراء الفقهية التي ترفض عزل الحاكم الجائر الظالم الفاسق جاءت وليدة الفترات التي تعرض المسلمون فيها للغزو الخارجي فكان الصبر على حكم الجور سياسة مرحلية أملتها ظروف خاصة إلى حين مواجهة العدو والتغلب عليه.
  • رابعًا: الصياغة الفقهية التي تمت في زمن الحكام الأمويين والعباسيين لا تعبر التعبير الأمثل عن مفهوم الحكم في نظر الإسلام فقد كان غالب الحكام يضغطون بشدة على الفقهاء حتى يصدروا لهم الفتاوى التي تناسبهم.

ولا نعرف قاعدة في الإسلام تعرضت للاجتهادات والخلافات الفقهية المتناقضة مثل مبدأ الشورى وذلك لتعلقه بسلطات الحاكم وتدخل الحكام في تلك الفتاوى. والتاريخ الإسلامي حافل بقصص المفكرين الإسلاميين فقهاء المذاهب الذين كانوا يتصدون للحكام ويرفضون الاستجابة لرغباتهم وما لاقوه من ضرب وسجن وتعذيب وهم مصرون على رأيهم ومبادئهم.

ليس ثمة وضوح في أهلية الحاكم في الرؤية الفقهية فقد اشترط البعض أن يكون من قريش وأن يكون ذكرًا بحيث لا تصلح المرأة لتولي هذا المنصب. والخليفة عند بعضهم غير قابل للعزل أو الإقالة إلا إذا كفر وأقر بكفره أو إذا لم يقم بالصلاة.. أما إذا ظلم الرعية أو حرمهم حقوقهم. أو أهمل في تنمية موارد الدولة. وإصلاح الاقتصاد فهذا ليس مبررًا للعزل وتوالت على هذا الموسوعات الفقهية المعاصرة «يحرم الخروج على الإمام الجائر لأنه لا يعزل السلطان بالظلم والفسق وتعطيل الحقوق بعد انعقاد إمامته وإما يجب وعظه وعدم الخروج عليه».

كذلك في بيعة الخليفة لم يعرف الأقدمون نظام المنافسة والتسابق بين أكثر من مرشح واحد حتى يكون لدى الشعب فرصة لاختيار الأفضل.

كذلك نظام البيعة نفسه حدث فيه خلاف كبير.. فمنهم من يرى أن الإمامة يمكن أن تنعقد بخمسة فقط يجتمعون على عقدها أو بعقد أحدهم برضا الباقين وذلك أسوة بما حدث في خلافة أبي بكر. ومنهم من يرى عقدها بستة كما فعل عمر في خلافة عثمان ومنهم من يرى أن أقل عدد أربعون شخصًا.

ولكنهم لم يشترطوا الرجوع إلى القاعدة الشعبية كلها أي يكون الانتخاب عامًا بأصوات جميع الرعية وهو ما تفعله الدول الديموقراطية اليوم.

ومن المذاهب ما يسمح بنظام الوراثة في الحكم وللخليفة أن يستخلف ابنه أو أباه من بعده وعلى الرعية إعطاء البيعة للمستخلف ومن حجبها فهو آثم. ويعلل أصحاب هذا الرأي ذلك بقولهم «إن الخليفة أمير الأمة نافذ الأمر لهم وعليهم. فغلب حكم المنصب على حكم النسب ولم يجعل للتهمة طريقًا على إمامته ولا سبيلًا إلى معارضته وصار فيها كعهده بها إلى غير ولده ووالده» (الموسوعة الفقهية ص223).

كذلك أجاز بعض الفقهاء خلافة من يستولي على الحكم بالقوة والسلاح أي بانقلاب عسكري وقالوا: (بثبوت ولايته) وانعقاد إمامته وحمل الأمة على طاعته وإن لم يعقد هذه الولاية أهل الاختيار (أي وإن لم يكن بانتخاب حر وبرضى الشعب وقد عللوا ذلك بأن المقصود بالاختيار هو تمييز المولى وقد تميز هذا بصفته. فيلزم أهل الاختيار عقد الإمامة له فإن توقفوا أثموا لأن الإمامة عقد لا يتم إلا بعاقد.

وقال آخر: «من غلب عليهم بالسيف حتى صار خليفة وسمي أمير المؤمنين فلا يحل لأحد يؤمن بالله واليوم الآخر أن يبيت ولا يراه إمامًا برًا كان أو فاجرًا».

ماهو الحل أمام هذا العجز الفقهي العام، قبل أن أبين مقترحي علينا أن نؤكد على جانب مهم جدًا وهو أن الآراء الفقهية أو الأحكام السلطانية تم استنبات الكثير منها في عصور الانحطاط والجبر السياسي والانكسار العام للشعوب المسلمة.

 

ونقول إننا إذا أردنا أن نضع نظامًا سليمًا ودقيقًا للحكم بالإسلام يتناسب مع مطالب هذا العصر.. فلا بد لنا من دعامتين رئيسيتين:

الأولى: الاجتهاد العصري في الفقه والشريعة لمواجهة المشاكل والقضايا التي جدت على المجتمع الإسلامي.

ويجب أن يكون هذا الاجتهاد عامًا وشاملًا لكل جوانب الحياة في دولة الإسلام، وليس قاصرًا على نظام الحكم وحده ويجب أن يكون هذا النظام جاهزًا ومعدًا من الآن على الأقل في القضايا الرئيسية والمبادئ العامة. فلا يجوز أن يصل المسلمون إلى الحكم، ثم يبدأون الخلاف بينهم حول التطبيق أو يبدأون في مرحلة التجارب على الناس مما قد يعرض دولة الإسلام إلى هزة عنيفة.

وهذا الاجتهاد يجب أن يشمل النظام الاقتصادي والنظام الاجتماعي والنظام التربوي والتعليمي والنظام السياسي وغير ذلك من النظم التي ستطبقها الدولة وترعاها.

وإذا كان هناك من يرى الاستنارة بالاجتهادات السابقة من عصور الإسلام المختلفة، فيجب أن لا نأخذ منها إلا ما يناسب عصرنا وظروف مجتمعنا الحاضر، وما لا يتفق مع ظروفنا نرجع فيه إلى المنبع الأول الذي استمدوا منه اجتهادهم وهو القرآن والسنة ثم نجتهد كما اجتهدوا.

الدعامة الثانية: الاستفادة من النظم الغربية المعاصرة لنا سواء كانت في الشرق أو الغرب. واقتباس ما يصلح منها للإسلام فهذه الدول الناهضة العريقة قد مرت بتجارب عديدة استمرت قرونًا طويلة إلى أن توصلت إلى النظام الأمثل لهذا العصر والذي يعطيها أقصى قدر من الديموقراطية والتقدم والاستقرار وليس من صالح الإسلام والمسلمين أن نغفل هذه النظم العريقة والمجربة بحجة أن لدينا في تعاليم ديننا وفي تجاربنا القديمة ما يغني عن الاقتباس من الغرب.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

السلفية
عرض التعليقات
تحميل المزيد