تميزت السنين الأولى من عهد الملك محمد السادس بإرادة الانفتاح السياسي، وإعادة كسب الثقة بين المؤسسة الملكية والشعب، وتجسد ذلك من خلال إطلاق سراح عدد من المعتقلين السياسيين وعودة المعارضين المنفيين على رأسهم «أبراهام السرفاتي»، ووضع هيئة الإنصاف والمصالحة لإنصاف عائلات ضحايا سنوات الرصاص… إلخ، غير أن هذا سينقلب رأسًا على عقب وسنشهد اشتداد القبضة الأمنية ،إثر عمليات التفجير يوم 16 مايو (أيار) 2003 بالدار البيضاء، التي وجهت أصابع الاتهام إلى تحميل كامل المسؤولية للقوى الإسلامية دون تمييز، في ارتكاب تلك التفجيرات وعلى رأسها ما يطلقون عليها «السلفية الجهادية»، والتي جرى نقلها عقب ذلك من المكانة الاستراتيجية التي كانت تحظى بها خلال عهد الملك الراحل، الحسن الثاني، إلى القدف بهم داخل السجون المغربية، بعدما شكَّلوا كتلة حساسة داخل ميزان الاحتواء السياسي خلال فترة حكم الحسن الثاني، وهذا ما شكل فرصة لجماعة «العدل والإحسان» لإعادة فرض وجودها وتصدرها الريادة، ثم مقابلته من طرف السلطة القائمة بحملة شرسة ضد أبرز قيادييها بمضايقات ومتابعات قضائية في حق أتباعها، كرسالة مشفرة آنداك، أنه لا مجال لاستغلال تغييب السلفيين من مشهد الاحتواء الذي رسم أولى خطواته الملك الراحل الحسن الثاني.

وتنظيم السلفية، كما يتبين من خلال هذا الاسم، فإنه يدعو إلى العودة للمبادئ الأصلية القدسية الأولى للإسلام، في كل مظاهر الحياة، وأي خروج عن نطاق الشرع فهو مروق عن الدين وبدعة وضلالة، والجهاد ضرورة حتمية ويزداد وجوبه في المراحل التاريخية التي تعاني فيها الأمة من الاحتلال وانحلال القيم والعلمانية والإلحاد… إلخ، وعرفت السلفية  «المعاصرة» في بدايتها من خلال شخصية محمد الفيزازي الذي عرف بتنظيره السلفي، وجرأته على التبليغ والإقناع وبأسلوب وجيه.

والسلفية ليست ظاهرة جديدة في المغرب ظهرت ما بين عشية وضحاها، بل لها تجذر تاريخي منذ قرون عدة، فحسب بعض المؤرخين فإن الدولة المرابطية التي حكمت المغرب خلال القرنيين الحادي عشر والثاني الميلاديين كانت تتبع منهجًا سلفيًّا، وهذا ما يتضح من خلال إحراق كتب «إحياء علوم الدين» لأبي حامد الغزالي بسبب نزعته الصوفية، ليظل أمر السلفية بعدها خافتًا إلى حدود القرن الثامن عشر، والذي انتشرت بشكل متباين داخل أرجاء المدن المغربية من خلال حركات متنوعة مرتبطة بالوهابية في جنوب البلاد بالخصوص، في منطقة سوس ومناطق معينة من الأطلس حيث أجبر اليهود على اعتناق الإسلام، ولسبب رفضهم ثم إحراقهم في سنة 1792 بإفران وبالأطلس المتوسط، رغم محاولة البعض «تضليل الحقيقة» عن مرتكبي الفعل، وتوجيه أصابع الاتهام إلى قبائل معروفة بنزعتها العصبية القبلية، كما أن السفر إلى مكة ساهم في تطور التيارات الوهابية والعديد من السلاطين المغاربة، كانت لهم ارتباطات مع الحركة الوهابية في المملكة العربية السعودية، ومع بداية عهد الحقبة الاستعمارية على المغرب، تولدت روح جديدة في حركة سلفية إصلاحية، برزت مع الحركة الوطنية التي كانت ترى نفسها سلفية في آليات اشتغالها وتدبيرها للعمليات الفدائية في تصفية وقتل كل خائن يجري توظيفه كأداة استخبارية لدى المستعمر، وإزهاق روح المرتزقة وكل أجهزة القوات العمومية الاستعمارية، من أجل رفع التحدي وإعادة استنهاض الذاتية والهوية المغربية، وتحصينها وتزويدها بما يلزم من شروط المناعة عن «الاحتلال»… إلخ. 

لتشهد أواخر السبعينيات من القرن المنصرم بداية سلفية جديدة أكثر توهجًا استطاعت اختراق المجتمع المغربي، مثأثرة بالتيار الوهابي في المملكة العربية السعودية، حيث قدمت هذه الأخيرة دعمًا ماليًّا للمغرب مقابل النشر بكل حرية لعقيدتها وإيديولوجيتها في المساجد ودُور القرآن ودعم الدعاية الدينية، والراحل الحسن الثاني لم يكن من «المتخادلين»، ووفر كل الإمكانيات والمساجد للوهابيين، الذين كانوا يدعمون أطروحات عنيفة في عدة مظاهر باستثناء النظام، وهذا ما استغله الحسن الثاني، في تحويل هذا التيار إلى أداة في الاحتواء السياسي، لضرب اليسار الراديكالي والماركسية المعارض الشرس، وكبح جماح قوى إسلامية بدأت تتمدد «جماعة العدل والإحسان»، لكن هذا جعل فريقًا من التيار السلفي بتدين مشرقي الذي تطور بالمغرب تيارًا عنيفًا ومتشددًا، وعدوًّا للحداثة وأي حركة تقدمية. 

وهنا يطرح التساؤل حول الدوافع المختلفة التي ساهمت من وراء وهج هذا التيار، واختراق كل مظاهر خصوصيات وطقوس حياة المغاربة، وما وراء انتشار هذا التيار في أوساط شعبية تمثل أحزمة الفقر والتهميش، هل الأمر يتعلق بدوافع تقليدية تمثل الأرضية الخصبة لهذا التيار من الفقر أو البؤس؟ أم هناك دوافع أخرى أكثر أهمية يتغذى عليها هذا التيار لاستقطاب شريحة جماهيرية واسعة، خاصة الشباب، الذين ينتهي بهم المطاف إلى تفجير أجسادهم، وهذا ما سنجيب عنه وفق ما هو ثابث، أي أكاديمي، وحدود تجاربنا الشخصية كشباب معايش لمختلف الشرائح الاجتماعية، ففي ظل التراجع التدريجي للحركة اليسارية، ودخولها في دوامة من الصراعات والأزمات التنظيمية التي ما زالت تعصف بها لحدود الوقت الراهن، وأصبح اليسار مجرد شعارات وذكرى حنين إلى ماض جميل، باندفاعاته وانكساراته، فاستغل هذا التراجع أولًا، وثانيًا الوضعية العسيرة التي كانت تمر بها البلاد آنداك،  وكان أغلب الشباب «ساخطًا» على الوضع، ووعيًا منها بأن التشبع بالفكر ضروري للدفاع عن وجوده، فاستغلت تلك الشريحة من الشباب الفقير الذي يتسكع ما بين أزقة الحي الحسني و«كريان»  سنطرال بالدار البيضاء، ودروب حي بني مكادة بطنجة… إلخ، وغذته بشحنات فكرية؛ لكي يصبح ساخطًا على الفكر المعادي.

وهذه النقطة حساسة يجب التركيز عليها؛ فالجماعات السلفية تنفرد بطرق خاصة للإقناع وتخاطب الناس حسب مستوياتهم، وأن لها الوصاية الشرعية للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مصداقًا لقوله تعالى: «كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر»، وتوههمهم بأن كل من يمضي في سبيل هذه الغاية النبيلة، أو يموت مجاهدًا في سبيل الإسلام، مصيره السعادة في جنات النعيم وينتظره ما لذ وطاب من «حور العين»… إلخ، إضافة إلى أن المغربي «الأمي» وهنا يجب ذكر نسبة الأمية المرتفعة داخل الأوساط الشعبية، بمثابة قرص فارغ يمكن أن تدمج فيه ما تشاء، ولكي تنجح في ذلك يجب أن تكون متفهمًا لظروفه ولمعاناته، ومتمكنًا أيضًا من سرد محاكاته ولغته نفسها أيضًا، مغلغلة بالعاطفة تجاه الدين، وللدين دور مهم في التطور الاجتماعي للمغرب مما يجعل سيطرة الجو الديني مهيمنًا على الحياة العمومية للأفراد، وهذا ما جعل السلفيين أقوى من خصومهم، واستغلوا أيضًا غياب المعارضة وأحزاب وطنية غائبة عن تطلعات غالبية المجتمع، يجعلون من المغرب بلد الكرامة والعدالة الاجتماعية، ليس متأزمًا في وضعية اقتصادية واجتماعية كارثية، جعلت العطالة تنخر وسط الشباب، والفساد يخيم على الحياة العمومية للبلاد؛ مما جعلهم ينفردون بالريادة وأنهم المنقذ لحل كل هذه الأزمات.

دون الإغفال عن عوامل اجتماعية مرتبطة بالبؤس والفقر، الثي تمثل أرضية خصبة بالنسبة لهذه الجماعات، كما أسلفنا الذكر، وهذا ما يولد للشريحة التي استقطبتها أزمات نفسية وذاتية، من جراء الإقصاء والقمع والعنصرية والتهميش الذي يتعرضون له، مما يجعلهم لقمة صائغة للتجاوب مع الخطابات الثورية والعنيفة بفتاوى «رجعية» تجيب عن أهم انشغالاتهم وهمومهم، ويساهم في صناعة جيل من الأحزمة الناسفة التي تفضل الانفجار بتلك الطريقة، خير من أن تسقط في يد القوات العمومية وتعذب أشد تعذيب، وهنا سنأخذ على سبيل المثال لا الحصر تفجيرات أبريل (نيسان) 2007 بالدار البيضاء، فتفجير أولئك أحزمتهم وسط رجال الشرطة وبالتزامن مع الأذان، لهو تعبير عن مشاعر السخط مما تعرضوا له من تنكيل وتعذيب ذاخل السجون وخارجها، وأيضًا رسالة من خلالها يريدون تبرير فعل ذلك فداء لله، من خلال تزامنها مع الأذان، وهذا ما ولد لاحقًا كما أسلفنا الذكر، تيارًا سلفيًّا متدينًا بصيغة مشرقية إلى تبني أطروحات عنيفة ومتشددة، ليجري إقصاؤهم بشكل مفاجئ من المكانة البارزة التي كانوا يتمتعون بها خلال عهد الملك الراحل الحسن الثاني، داخل ميزان الاحتواء السياسي، والقذف بهم داخل السجون المغربية، مما سمح لاحقًا لجماعة عبد السلام ياسين لاكتساح المشهد، ولعب مشهود الاحتواء السياسي من جديد مع حزب العدالة والتنمية ما بعد حركة 20 فبراير (شباط) 2011.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد