مما لا شك فيه أن «الدعوة السلفية» تمثل حاليًا التيار الإسلامي الأبرز والأكثر تواجدًا على أرض الكنانة، وعلى عكس الشائع عند الكثيرين فالدعوة السلفية حاليًا تتعرض لانتقادات داخلية من شبابها لقياداتها، ولعل  سلوك الانتقاد هذا سلوك جديد في أوساط الإسلاميين عامة والدعوة السلفية خاصة ذلك أن المكون الأساسي للتيارات السلفية هو لبنة «الشيخ – الطالب» مما لتلك الوحدة البنائية من قدسية خاصة وطاعة وتقدير من الطالب لشيخه، ولقد استمر الأمر على ذلك المنوال لما يقرب من ثلاثة عقود حتى اندلعت الثورة المصرية وزال التضييق المضروب حول الدعوة السلفية وبدء قيادات الدعوة السلفية في تحويل تلك الصورة الدعوية الفردية إلى عمل مؤسسي، تصدر «الشيوخ» العمل الإداري وانتقلت مكانة الشيخ معه إلى عمله الإداري ولكن برز هنا فارق لم يلتفت إليه الكثيرون، فلبنة «الشيخ – الطالب» تعتمد بشكل كبير على الثقة المطلقة في علم الشيخ ومدى تحصيله للعلوم الشرعية وبالطبع فأغلب من تصدوا لذلك المجال قضوا جل أعمارهم في تعلم العلوم الشرعية فحازوا بجدارة على احترام وتقدير وثقة طلابهم، إلا أنه عندما انتقل الشيوخ إلى مجال العمل الإداري المؤسسي – دون تدقيق كامل في مدى كفاءة وتفرغ «الشيخ» للعمل الإداري – نتج عن ذلك عوار كبير، فبسبب التضيق الأمني في مرحلة ما قبل الثورة أصاب الدعوة السلفية ما أصاب باقي الوطن من ضعف في الكفاءات الإدارية وندرة في القيادات المؤسسية وعندما تولى «الشيوخ» العمل الإداري اعتقد بعضهم أن مجال العمل الإداري مثله مثل العمل الدعوي لا مجال فيه  للانتقاد ولا الاعتراض، وعلى النقيض اعتقد الشباب أنه لابد من إشراكهم في كافة القرارات الإدارية مهما كانت ولابد من انصياع «الشيوخ» للشباب لتصحيح ما يعتري الدعوة السلفية من جوانب نقص بارزة اعتقد الشباب أن سوء الإدارة هي المسؤولة الأولى عنها، وبدأت تبرز تساؤلات حائرة: لماذا يفترض الشيوخ دائمًا أن ما لديهم من علم شرعي كفيل بإنجاح دورهم الإداري؟ لماذا لا يحرص الشيوخ على تحصيل العلوم الإدارية مثلما حصلوا العلوم الشرعية، وإن كانت مسؤولياتهم ومشاغلهم تجعل من العسير عليهم توفير وقت لتعلم تلك العلوم واكتساب تلك المهارات، فلماذا لا يوجهون الشباب لتعلمها ثم يدفعون إليهم العمل الإداري؟ وإن حدث ذلك فهل من الممكن أن ينصاع الشيوخ للقرارت الإدارية الصادرة من الشباب؟

تساؤلات حائرة خالجت أنفس الشباب كما خالجها  شعوران متناقضان:

الأول هو التقديروالتوقير التامين لمكانة الشيوخ الذين تعلموا على أيديهم دينهم وسجنوا وعذبوا من أجل إيصال الدين لأولئك الشباب.

والثاني: الرفض والامتعاض لبعض القرارات الإدارية ولسوء التخطيط والعشوائية في إدارة بعض الملفات وعدم استيعاب الشيوخ لطاقة وحيوية الشباب، وبناء على ذلك انقسم شباب الدعوة السلفية إلى أربعة أصناف كالتالي:

الأول: ينفذ ما يطلب منه دون انتقاد لأي قرار إداري على اعتبار أنه من سوء الأ دب انتقاد قرار الشيخ الذي تعلم على يديه.

الثاني: يعترض في صمت على ما يراه قرارت إدارية خاطئة ويتم ترجمة ذلك الاعتراض على هيئة إعراض عن العمل الدعوي بكافة صوره متعذرًا بأعذار واهية.

الثالث: اتخذ لنفسه دور الناقد الفاهم لكل شيء المتخصص فقط في التفكير دون العمل، وإذا اتخذ قرارًا إداريًّا على غير هواه ينتقده ويرفضه، وبالطبع فهو غير منخرط في أغلب الأعمال الدعوية ولا يحضر الجلسات الإدارية والاجتماعات الدورية بحجة سوء الإدارة وعدم قدرتها على استيعاب طاقاته وملكاته.

الرابع: ينتقد بأدب ويوضح برفق، يجل الشيوخ ويحبهم لكنه لا ينسى أنهم علموه أن نشر دين الله وصالح الدعوة فوق كل اعتبار لذا فهو يبين ويصلح ويسدد ويقارب على قدر استطاعته.

أرى أن الرابع هو الأصح طريقًا والأصوب مسلكًا إلا أن الإشكالية أنه الأقل عددًا وهذا يمثل خطرًا وجوديًّا يهدد كيان الدعوة السلفية، فإذا تقلص النوع الرابع لحساب الثلاثة أنواع الأخرى فهذا يعني تحول كيان الدعوة السلفية لكيان هلامي أشبه بالبالونة التي يكفي ثقبها دبوس صغير لتنفجر من الداخل فلا تثبت في فتنة ولا تنشر دعوة ولا يضحى لها أثر واضح بين شرائح المجتمعة خاصة الشباب، وهنا يبرز السؤال كيف تستطيع قيادات الدعوة الحفاظ على ذلك الكيان الذي وهبوا أعمارهم من أجله؟

تكمن إجابة ذلك التساؤل في مدى اتباع قيادات الدعوة السلفية لسبل تصحيح المسار ومنها:

  • تأهيل الكوادر القيادية الحالية إداريا فلا يستقيم أن يصبح الشيخ الفلاني مسؤول العمل الإداري لأنه الأقرب والأكثر ثقة لدى صناع القرار في الدعوة لما له من باع في دراسة العلوم الشرعية فليس كل شيخ يصلح مديرًا.
  • المسارعة في استيعاب طاقات الشباب وتقبل النقد وإشراك الشباب في اتخاذ القرارات.
  •  العمل على تأهيل دفعة «قادة» من الشباب بشكل سنوي يتم إعدادهم بشكل خاص لتحمل مسؤولية العمل الإداري في القطاعات التي تعاني عجزًا بينًا وما أكثرها.

وكما أن قيادات الدعوة السلفية عليهم مسؤوليات كما أسلفنا، فأيضا الشباب عليهم مسؤوليات لا تقل أهمية بل تزيد ومنها:

  • طرد الكسل والتواني والفتور الذي أصبح ملازما للبعض كأنه يجري منه مجرى الدم.
  • عدم انتظار إسناد أعمال دعوية واجتماعية لهم من قبل القيادات بل عليهم المبادرة فالثغور الشاغرة أكثر مما تحصى فكن مبادرًا وضع بصمتك.
  • التأهيل الذاتي والعمل بشكل دائما على تحصيل العلوم الشرعية والإدارية
  • التأدب في الانتقاد وتقدير ما بذله الشيوخ لتأسيس تلك الدعوة والحفلظ عليها في خضم وطن يموج بالفتن، ولابد من الانصياع لرأي الشورى في النهاية وإن كان مخالفًا للهوى.

إياك وأن تلفظ العمل المؤسسي مهما كانت الأسباب فأي عمل فردي حاليا مهما طال فهو إلى زوال فلا تكن معول هدم تضر دعوتك وكن كالجندي المجهول «التقي الخفي» الذي يعمل في صمت، ويصلح على قدر استطاعته واهبًا حياته لربه معلقًا على صدره عبارة واحدة «وقف لله».

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد