لطالما جذبتني تلك الكلمات المنمقة التي لم يكن يمل خطيب مسجدنا من تكرارها كل جمعة، وهو يعلمنا أولى قواعد السلفية – كما كان يقول – (لا عقل مع النص أبدًا)! هكذا كان يعلنها رافعًا بها صوته خاطفًا انتباه كل رواد المسجد.

والحق أن تلك الكلمة لطالما حزت في صدري، ولكن حداثة السن ”وعقلية الأتباع“ كانت تحول وقتها دون تبلور نقد لتلك الكلمات الرنانة. والحق كذلك أن تلك الكلمات لم تكن بحال حكرا على صاحبنا ذاك، بل هي متواردة متوارثة بين ألسنة كثير من رموز التيارات السلفية ومشايخها.

لما عدت اليوم أستمع لواحدة من إحدى تلك الخطب، وقعت كلماته في أذني: ”لا عقل مع النص أبدًا، إن أولى قواعد السلفية أنّا لا نحاكم النص من الوحيين لعقول العباد العفنة“! لكن وقعها اليوم (بإطلاقاتها) المفزعة تلك، كان مختلفا هذه المرة، كيف يطرد العقل من المعادلة ذليلا هكذا! كيف يصح أن يسلم لمثل ذلك الإطلاق! وهل فهمت نصوص الوحي إلا بالعقل؟! فكيف إذن يفهم مراد الشارع منها؟

كيف ينظر في مراتب صحة النص إن لم يكن محلا لإعمال العقل؟! فعلام قسموا النظر في الحديث نظرا في السند ونظرًا في المتن؟ إِلام ينظر في المتن إذن!

بل لم سطر أهل الأصول في كتبهم بابًا في (تعارض النصوص)؟ أما سألتم أنفسكم أين محل وقوع هذا التعارض إذن؟ أليس محله العقل؟! ذاك الذي أُعمِل مع النصوص فرأى بعضها في ظاهره متعارضًا؟ ثم وضع العلماء قواعد النظر عند ذاك التعارض، فجعلوا أول مراتبها (الجمع)، أي الجمع في المعنى و الفهم  بين كل من النصين اللذين يلوح من ظاهرهما التعارض.

فكيف يجمع في “الفهم” بين تلك النصوص؟ أليس من حقنا هنا أن نقول أن هذا “الجمع” إنما هو (عمل عقلي خالص)! بل ثمة أضعاف ما ذكرتُ من البراهين التي تكشف زيف ذاك الخصام النكد بين (العقل والشرع). ولكننا مع كل ذلك لا نبطل القاعدة بالكلية.

نعم فليس يصح أن ندعي للعقل فوق مكانته كذلك. إننا  ننكر جعل العقل (بنقصه) – الذي إنما هو جزء من سائر نقصنا البشري – ننكر جعله حكما مطلقا على النصوص، فنبطل هكذا بطرا كل نص لاح لنا في ظاهره التعارض مع العقل، فكيف بِنَا وثبوت هذا التعارض ابتداء مما تتفاوت فيه عقول الناس و فهومهم، بل و تتحكم فيه “أهواؤهم” كذلك!

نعم نتوازن، فلا نبخسه أثره، ولا نقلوه شريدا معطلا بلا أثر!  ولا نجعله كذلك حكما مطلقا، وسيفا مشهرا على النصوص يثبت منها و ينكر هكذا اشتهاءً بلا ضابط.

“أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَٰهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَىٰ عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَىٰ سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَىٰ بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَن يَهْدِيهِ مِن بَعْدِ اللَّهِ ۚ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ”!

هل سيرى البعض كلماتنا تلك هدمًا لقاعدة السلفية الأولى؟! لا يهم.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد