يُعد محمد صلاح عبد الصبور (1931:1981) واحد من رواد الحداثة في الشعر العربي.. جاء ديوانه الأول: الناس في بلادي، (1957) ينتمي للشعر الحر؛ ليضعه مع نازك الملائكة وبدر شاكر السيّاب كرواد للحركة الشعرية الحديثة.

لم يلبث صلاح عبد الصبور كثيرًا ليوجه مجهوده لإحياة المسرح الشعري بعد أن ظل ما يقرب الثلاثين عامًا مهجورًا لم يكتب فيه أحد من بعد أحمد شوقي.
قدم للمسرح الشعري خمس روائع أحيته من ركدته الطويلة، وهم: مأساة الحلَّاج (1964)، مسافر ليل (1968)، الأميرة تنتظر (1969)، ليلى والمجنون (1971)، بعد أن يموت الملك (1973).. لكن لم يلبث أن مات المسرح الشعري مرة أخرى.

تأثر عبد الصبور بالعديد من الكتّاب الغربيين ومنهم بودلير، وريكله، وإليوت، ولوركا… و كما ذكر في تذيل مسرحيته: مسافر ليل، لم يُضِع عبد الصبور فرصة إقامته بالهند مستشارًا ثقافيًا لسفارة بلاده، بل أفاد خلالها من كنوز الفلسفات الهندية ومن ثقافات الهند المتعددة، وكذلك كتابات كافكا السوداوية. هذا إلى جانب تأثره بكتّاب مسرح العبث.

بين الكلاسيكية والحداثة

بدأ صلاح عبد الصبور مشروعه المسرحي بغرض رد المسرح إلى أصله. كانت نشأة المسرح شعرية منذ أيام الإغريق والرومان وكان نوعين: التراجيديا أو المأساة، والكوميديا أو الملهاة، بلغ المسرح أوجّه في القرن الخامس قبل الميلاد وكان سوفوكليس ويوريبيديس وإيسخولوس هم أكبر كتاب التراجيديا وأريستوفان هو أكبر كاتب كوميديا.
وظل المسرح شعريًا إلى منتصف القرن التاسع عشر تقريبًا، وكتب فيه الكثيرون مثل: أرسطوفان، موليير، جوتة، شكسبير، وغيرهم، ثم ظهر المسرح النثري ليجد مكانه بجوار المسرح الشعري.

كان أحمد شوقي في نظمه للمسرح يتبع النظم الكلاسيكي الذي يعتمد على البحر، لكن صلاح عبد الصبور أراد أن يطبع مسرحه بالصبغة الحديثة، فنظمه في الشعر الحر الذي يعتمد على التفعيلة دون الالتزام ببحر معين، على سبيل المثال ستجده في مسرحية: مأساة الحلّاج، يستخدم أربع تفعيلات بتحويراتهم: مستفعلن، مفاعلتن، فعولن، فاعلن) وفي كل مسرحية يستخدم عددًا مختلف من التفعيلات؛ بحثًا عن الأكثر إنسيابية وتوافقًا مع المسرح، فكان في كل مسرحية جديدة يقدمها يصل إلى الشكل العروضي الأكثر توافقًا مع الحوار المسرحي.

لو نظرنا في مشروع عبد الصبور من رد المسرح إلى أصله الشعري والبعد عن النثر، لوجدناه يميل في اختياره إلى الكلاسيكية.. لكنه لم يستسلم للكلاسيكية بشكل كامل، فنظم مسرحه على الأساس الشعري الحديث.
في إطار مسرحي استطاع صلاح عبد الصبور المزج بين الكلاسيكية والحداثة وتطويعهم لتقديم روائع مسرحية خالدة.

الأنواع المسرحية

غلبت التراجيديا/المأساة عند صلاح عبد الصبور على الكوميديا/الملهاة، لكن الأخيرة لم تغب عن المسرح بشكل كامل؛ ففي بعض المسرحيات نجده يمزج بين النوعين، لكن النهاية كانت تحسم الأمر، باستثاء مسرحيته الأخيرة “بعد أن يموت الملك” التي وضع لها ثلاث نهايات مختلفة.

أتت مسرحيته الأولى مأساة الحلّاج، عن مأساة الحسين بن منصور الحلَّاج الذي خلع خرقة الصوفية ونزل في الناس ليحيي أرواحهم من الموت.. الذي اتهموه بأنه يحرض الفقراء على الوالي، ثم إمعانًا في الانتقام ولكي يشوهوا صورته ويمحوا ذكراه اتَّهموه بألكفر والزندقة فقتلوه وعلقوه في شجرة. ومن اسم المسرحية نستشف نوعها.

الثانية مسافر ليل عن ثلاث أشخاص في قطار ليلي، واحد منهم هو الراوي لا يفعل سوى حكي ما يشاهد وهو البديل للجوقة، والثاني هو الراكب، والثالث هو عامل التذاكر.. تسير المسرحية في إطار كوميدي لكنها تنتهي بمأساة، تشبه في هذا رائعة شكسبير روميو وجولييت التي غلبت عليها الكوميديا في البداية ثم انتهت بمأساة.

الثالثة الأميرة تنتظر وهذه المسرحية عن الخلاص تمتزج فيها الكوميديا بالتراجيديا، وتتحدث عن أميرة ووصيفاتها يعتزلن الحياة بعيدًا عن قصر الملك لأن حبيبها خدعها واستخدم قربه منها ليقتل أبيها ويصبح الملك، فاعتزلت في انتظار أن يأتي حبيبها ليصالحها ويأخذها، لكن قبل أن يأتي يمر على كوخ الأميرة شخص فقير، تدعه يدخل ويجلس في ركن قصي، وعندما يأتي حبيبها ليأخذها لمصلحته الشخصية وتوافق الأميرة يقوم الفقير هذا بقتله.

الرابعة مجنون ليلى وتنتمي إلى المأساة، تدور المسرحية حول رئيس تحرير في جريدة تتحدث باسم الشعب المصري في ظل انتشار الجرائد الإنجليزية أو المصرية المنافقة في ما قبل انقلاب يوليو.
يقترح على المحررين في الجريدة بتمثيل مسرحية لينشروا بها كلمتهم فيختار مجنون ليلى لأحمد شوقي؛ لأن على حد قوله الحب أساس للثورة، وتتوالى أحداث المسرحية، كل شخص في حياته ليتم إغلاق الجريدة في النهاية.

الأخيرة بعد أن يموت الملك، وتتمثل هنا الجوقة في ثلاث نساء من نساء الملك يتسلمن التقديم للمسرحية بطريقة ساخرة، وتدور حول حياة ملك ظالم وما سيحدث بعد موته من هرب زوجته الملكة مع الشاعر كي تنجب منه، لتنتهي بنهاية مختلفة كليًا بوضع ثلاث نهايات مطالبين من الجمهور بأن يختار النهاية الذي يريدها.

الإسقاط السياسي في المسرحيات الخمس

كان صلاح عبد الصبور مشغولًا بالسياسة دون الانتماء إلى حزب، ستجد في جميع مسرحياته دون استثناء إسقاط على الواقع السياسي والفساد المتفشي في المجتمع آنذاك.
تطورت النبرة السياسية عنده بحسب العام التي كتبت فيه المسرحية، فكانت مأساة الحلّاج أكثرهم رمزية لأنها كانت في عزّ سلطة جمال عبد الناصر، ومسرحيتيّ مسافر ليل والأميرة تنتظر أوضح في الانتقاد السياسي وإن ظلت متوارية بعض الشيء، أما مجنون ليلى كان الإسقاط فيها واضح كما الشمس لأنها كُتبت بعد وفاة عبد الناصر، وهكذا بعد أن يموت الملك التي كانت مليئة بالتساؤلات والتحريض على الحرب.

في مأساة الحلّاج كانت الفكرة تتمثل في ثورة الحلّاج على الصوفية وعلى الحاكم حيث نزل في الناس يحاول إيقاظهم من غفلتهم، ومحاربته في صف الفقراء الذين يأكل الحاكم حقهم.. فاتهموه بتحريض الناس على الحاكم للانقلاب عليه، ثم لكي يجعلوا الناس لا تتعاطف معه اتّهموه بالزندقة والكفر، وهو في هذا يضع صورة لعبد الناصر وأحكامه ضد من يخالفه.

في مسافر ليل كان يدور الحوار بين الراكب الذي يمثل الشعب في صورته الضعيفة الذليلة، وعامل التذاكر الذي يمثل الفساد المتفشي في المجتمع من جميع أركانه، فكان عامل التذاكر تتبدل شخصيته لتمثل شخصيات في المجتمع وكل تبديل يحدث في شخصيته يرمز لجانب فاسد. لتنتهي المسرحية بعامل التذاكر يطعن الراكب بالخنجر فيرديه قتيلًا. والراوي يمثل الفئة الصامتة، التي ترى الأحداث ولا تجرؤ على التحدث خوفًا من الحاكم.

في الأميرة تنتظر في تصوري أن عبد الصبور لم يتخلَ عن عادته في إسقاط أحداث المسرحية على الواقع السياسي والاجتماعي.. فالمسرحية كانت بعد 1967 وبعد تمثيلية التنحي المزعوم من عبد الناصر ومطالبة الشعب له بالاستمرار في السلطة.
لكن عبد الصبور لم يتحمل ضعف الأميرة/الشعب وهوانها أمام حبيبها/عبد الناصر بالرغم مما حدث فيها فرسم السيناريو الخاص به بقتل حبيبها في النهاية لتصل الملكة إلى الخلاص المنشود.

أما مجنون ليلي في اعتقادي بأنها دُرة المسرح الشعري عند صلاح عبد الصبور.
هي مسرحية تدور بين زمنين أحدهما ظاهر للقارئ والآخر رمزي، أحداثها تدور في العام 1951/1952 ما قبل حريق القاهرة، لكنها تربط بين هذا الوقت ووقت ما قبل وفاة عبد الناصر عام 1970.
في ما قبل النهاية سيقوم سعيد -الشاعر في المسرحية- بإرسال رسالة من سجنه للحاكم القادم، وفي نهايتها حاشية: لا تنسَى أن تحمل سيفك، ومن خلاله أراد عبد الصبور إرسال رسالة للقادم بعد وفاة عبد الناصر.
جعل الكاتب الحب هنا أساسًا للثورة، والخيانة في المسرحية كانت المردود العكسي الذي يهدم كل شيء، هي الخيانة التي جعلت عبد الناصر يتربع على عرش مصر.
عندما تكتب شيء عن الفساد فإنه ينطبق على كل العصور، فالأحداث تدور عام 1952، وتقصد ما قبل 1970، وتنطبق على كل عصور مصر إلى يومنا هذا؛ لأن الخنوع والجُبن هما الأداة التي تسقي الفساد وتدعمه في كل عصر.

وأتت بعد أن يموت الملك عام (1973) لكن لا أدري هل هي قبل الحرب أم بعدها، وجاءت مليئة بالتساؤلات والحيرة، حيث أنه وضع لها ثلاث نهايات مختلفة. ماذا بعد أن مات عبد الناصر؟
تبدأ المسرحية في حياة ملك ظالم ومعه الملكة التي تريد موت الملك لتحصل على طفل، وحوله حاشيته المكونة من: الوزير، والقاضي، والمؤرخ، والجلاد، والشاعر.. كان الشاعر هنا هو الثورة، والخياط الذي سيظهر في البداية حين يقطع الملك له لسانه هو الشعب، والملكة والقصر هما السلطة والبلد.
بعد موت الملك وهرب الملكة والشاعر يبعث الحاشية الجلاد ليحضر الملكة لترقد بجواره في موته -كما خُيل لهم بأنهم سمعوا الملك يأمرهم بهذا- فيذهب الجلاد وينتصر عليه الشاعر بالسيف.
ثم يضعنا الكاتب أمام ثلاث نهايات للمسرحية لنختار منهم:
الأولى أن الحاشية ستستبطئ عدم عودة الجلّاد فترسل عددًا من أعوانها ليأخذوا الملكة، فلا يجد الشاعر سوى الاحتكام إلى قضاة الأقدار، وهم حاشية الملك، فيحكمون في النهاية بأن يتم تقسيم الملكة حيث يذهب الجزء العلوي للملك الذي اكتسبه بالسيف، ويأخذ الشاعر مما تحت الخصر إلى إخمص القدم لكي يعطيها الطفل كما كانت تريد.. وعندما يأمروا الجلاد بتنفيذ الحكم يصرخ الشاعر ويتركها لهم كي لا تتمزق.
النهاية الثانية تعتمد على الانتظار، أن تنتظر الحاشية رجوع الجلاد، وأن ينتظر الشاعر والملكة إلى أن ينجبوا طفلًا، وينتظروا إلى أن يبلغ الطفل عشرين عامًا، ثم يعودوا إلى القصر ليجدوا الحاشية نائمة تنتظر عودة الجلّاد من وقتها، ويجدوا القصر خرابًا ومتهدم لتخبرهم الحاشية بأن أمير البر الغربي احتل القصر.
النهاية الثالثة كانت في أن يحمل الشاعر سيفه ويذهب في اليوم التالي ليأخذ القصر من الحاشية ويعيش فيه هو والملكة ليبنوا المستقبل، وتقرب الملكة الخياط منها وتأمر بالعطف على جميع الفقراء والمساكين.

يُعد الشخص الذي يكون شاعرًا في المسرحيات هو الشخص الثائر الناقم الذي يرفض الطغيان، كما هو في مسرحيتيّ مجنون ليلى وبعد أن يموت الملك.
اختلفت مسرحيات عبد الصبور في الموضوع لكنها اتّفقت في النبرة الساخرة والنقد السياسي والاجتماعي الحاد.

وفاته

توفي صلاح عبد الصبور في 13 من أغسطس (آب) عام 1983 إثر تعرضه إلى أزمة قلبية حادّة إثر مشاجرة كلامية مع الفنان بهجت عثمان في منزل الشاعر أحمد عبد المعطي حجازي.

رحل مُخلِّفًا وراءه ميراثًا شعريًا ومسرحيًا عظيمًا كان له بالغ الأثر في الحركة الشعرية الحديث.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد