لطالما كان التاريخ ممتعًا ما إن أُخرج من الكتب والسير والمخطوطات وأُسقط على أرض الواقع، فلا فهم يتكون لدى أبناء القرون الحديثة إلا إذا ما اكتملت الصورة مع الصوت، والقراءة مع المشاهدة. وهكذا فإن أهمية المسلسلات التاريخية والأفلام الوثائقية تزداد يومًا بعد يوم في عصرنا هذا؛ لنضمن فهمًا أفضل، ومعلومات أوسع، وتطبيقًا أشمل للجيل الذي ما لبث أن نما عقله بسرعة البرق فبدأ يسأل لماذا إذن أمرته بفعل شيء، وما العلة من وراء هذا إذا أدليت له بمعلومة، وماذا إن لم تكن وافيًا مستوفيًا الشرح عن حدثٍ ما أو محطة تاريخية اجتماعية كانت أم دينية كبرى.

يتناول المسلسل فترة مولد صلاح الدين بن أيوب، والذي كان يعيش مع والديه وأخوته وعمه تحت حكم عماد الدين زنكي، ثم مرحلة ريعان شبابه في حكم نور الدين بن عماد الدين زنكي، ومن ثم مرحلته الخاصة به اسمًا وفعلًا حينما أصبح أحد أعظم القادة الذين سمعنا باسمهم وخلدهم التاريخ في الكتب والعقول.

كلنا يعلم أن صلاح الدين الأيوبي لم يكن عربيًّا، لكنه كان مسلمًا حقًّا، يدافع عن قبلات المسلمين أجمع ويفدي بروحه ودمه أراضي المسلمين. كان مقدامًا شجاعًا لا يعرف الرجوع ولا الاستسلام، حتى عندما كُسر كسرةً عند أحد المدن في معاركه مع الفرنجة، لم يستسلم وعاد إلى بلاده عازمًا على تعويض الكسرة بفتوحات تضرب الفرنجة وتعيدهم إلى بلادهم من حيث جاءوا وراء البحار. كان شهمًا، فعند فتح القدس، كما صوّر المسلسل، لم يرفض طلبًا لبعض نسوة الغرب حينما استغاثوه أن يطلق سراح رجالهم من الأسر حتى يعودوا سويًّا إلى فرنسا، وحين بقي قلةٌ قليلون من فقراء الفرنجة وأبى البطريرك والأساقفة وحراس المعبد أن يفدوهم بما لديهم من ذهبيات، جاء أصحاب صلاح الدين، إخوته وولده فافتدوهم من مالهم الخاص، حينها قال: وأنا أتكفل بالباقي من مال الله.

تبدأ الدراما التاريخية من مولده، أي صلاح الدين يوسف بن أيوب، حينها يضطر أهله جميعًا للانتقال إلى مكان آخر ليأمنوا الفرنجة، إلا أن أمه لا تستطيع نتيجة المخاض فيضطروا إلى المكوث أكثر والخطر يلاحقهم. يتشاءم والده من مولده، إذ إن التوقيت لم يكن مناسبًا لولادةٍ كهذه. حتى إنه، أي والده، يأبى النظر إلى وجه الطفل الرضيع خشية أن يتعلق قلبه به ويشغله عن هدفه المتمثل في تأمين المال والعيال، ومحاربة الفرنجة وإخراجهم من الأراضي العربية.

تمر الأيام وتسير القافلة إلى مكان آخر حيث يبدأ صلاح الدين بالنمو، وكأي فتىً آخر لا بد له من مرحلة ضعفٍ يمر بها، إلا أن عمه شيركوه يرفض ضعفه، وينشؤه نشأةً قوية ويقوي من عوده، حتى يغدو رجلًا في الفعل طفلًا في السن، ويغدو صلاح الدين أحب الناس إلى عمه، حتى أحب من ولده.

لم يكن كغيره من الأطفال، فقد شهد جميع الوَقَعات والمعارك ضد الفرنجة مع والده وعمه وأخويه، تحت إمارة عماد الدين زنكي الذي كان رجلًا شهمًا ذا غاية واضحة وهدفٍ مرسوم. يُذكر أن صلاح الدين كان يحب أخاه الكبير حبًّا جمًّا؛ إذ كان ذلك الأخير يعطف عليه ويحميه كما لم يحمِ أحدًا قط.

دارت الأيام وبدا صلاح الدين جديرًا بحمل المسؤولية، فطلب منه عماد الدين زنكي أن يصحب القافلة التي تحمل زوج عماد الدين إلى الشام. وكان صلاح الدين ذا فطنة وحكمة بالغة، فاستطاع بذكائه أن يوقع بقطاع الطرق حينما حاولوا الهجوم على خيم زوجة أمير المؤمنين ومن معها.

بعد عدة محاولات أثبت بها صلاح الدين جدارته، كسب الرجل ثقة عماد الدين وقلبه، فأرسله إلى مصر، وكانت آنذاك تحت عهد أمير المؤمنين الحاكم بأمر الله الفاطمي، الذي كان متفلتًا من الدين ذا رأي يفتقر إلى السدادة، وذا حكمة طائشة، فمثلًا عد نفسه أنه هو خليفة رسول الله، ومنع العباد من زرع الملوخية في مصر لبغضه للخليفة البغدادي وغيرته منه. (يذكر أن الخليفة البغدادي كان يحب الملوخية كثيرًا) وقد أصدر قرارًا بعدم إغلاق الأسواق ليلًا حتى تتسنى له فرصة التمتع والتسوق في ما عدها بلاده ودولته.

ذهب صلاح الدين مع عمه إلى مصر إلى الدولة الفاطمية، فكسب شيركوه ثقة الحاكم بأمر الله وعينه الأخير وزير الدولة. استمر شيركوه في منصبه وعمله حتى مات. في هذه السنوات كانت العلاقة بين صلاح الدين وأمير المؤمنين تزداد قوة. فكلاهما أحب الآخر وكنّ له مشاعر الود والاحترام أو كما قيل. لكن صلاح الدين ومن قبله عماد الدين كانا قد اتفقا على أن المكوث في مصر لن يطول، وأنها وجهة وجسر يصل بين الشام وبين فتح القدس.

كان صلاح الدين يريد أن يوحد الشام ومصر تحت راية واحدة وخلافة واحدة حتى يتسنى له محاربة الفرنجة في القدس وتحريرها والصلاة فيها.

خلال سنوات مكوثه كثُرت الحروب بينه وبين العرب والمسلمين الذين لم يعودوا يهتمون لأمر الإسلام ورسالته، بل إن كلًّا منهم أراد أن يحكم ويجعل من نفسه أميرًا وذا رأي قاطع.

استنزف هذا صلاح الدين، وخصوصًا بعد موت عمه شيركوه، حينما ولاه الحاكم بأمر الله الوزارة من بعده، فغضب الرجال من المقربين من الأمير واحتجوا على ذلك بدافع أن صلاح الدين الأصغر سنًّا بينهم، ولا يملك الخبرة التي يمتلكونها هم. حاربوه وقُتل من قتل في معارك استمرت سنوات، حتى أذن الله له بشد الرحال إلى الأرض المقدسة لتحقيق النصر المبين .

يُختم هذا العمل التاريخي الدرامي بيوم الفتح المبين للأرض المقدسة، إذ تظهر شجاعة صلاح الدين وذكاؤه مع فريقه في إعداد خطةٍ لن تعود عليهم إلا بالنصر المحقق. فيمكث على حدود القدس بعد ما أصبح سلطان مصر والشام مجتمعتين بضعة أيامٍ طوال، يستدرج فيها الفرنجة ومن قاتل معهم خارج المدينة خوفًا على المقدسات الدينية التي قد تخرب وتتهدم إذا ما دارت الحرب في قلب المدينة أو بالقرب من سورها.

إلا أن مكر العدو كبير، إذ هددوا صلاح الدين إذا ما أصاب الفرنجة في الداخل بأذى، أنهم سوف يهدمون المساجد المقدسة وكنيسة القيامة. حاول التفاوض معهم أن يخرج كل منهم مقابل فدية، لكنهم اضطروه إلى سلوك طريق الحرب، ومن ثم أخذ الفدية عمن استطاع الدفع، ومن لم يستطع افتداه المسلمون والقادة منهم بمالهم الخاص.

دخل صلاح الدين القدس الشريف في معركة حطين في ذكرى الإسراء بعد ثمانين عامًا من احتلال الصليبيين وتعاقبهم على حكم القدس. فأنهى صلاح الدين عهدهم وأرسلهم خائبين إلى بلادهم. دمعت عيناه وقرأ من آيات الذكر الحكيم ما تيسر له، وانتهى المسلسل عند هذا المشهد.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد