لا يُمكن النظر إلى كتاب «الصحافة، السلطان، الغضب.. ذكريات صلاح حافظ» على أنه مجرد ستة حواراتٍ أجراها الكاتب رشاد كامل مع صلاح حافظ، أحد أساطين الصحافة المصرية، والذي رأس تحرير عدة مجلاتٍ مهمةٍ – مشاركةً أو لمددٍ قصيرةٍ – مثل «روزاليوسف»، «آخر ساعة»، «صباح الخير»، وظل وفيًا للعمل في المهنة بمقالاته السياسية اللاذعة، رغم إصابته بورم في المخ، حتى وفاته في 4 مارس (آذار) 1992.

بالطبع تتجاوز أهمية الكتاب ذلك، ليصير هذا المؤلّف شهادةً ووثيقةً مهمةً على حال صاحبة الجلالة في عصر الرئيسين الراحلين جمال عبد الناصر وأنور السادات، وكيف كانت علاقتهما بالمهنة؟ وما أسباب اغتيال «السادات»؟ وما شكل علاقة «صحافي العصر» محمد حسنين هيكل بزملائه؟ وما التفسيرات المختلفة لعلاقتِه بالرئيسين الراحلين «ناصر» و«السادات»؟

قيمة ذلك الكتاب لا تقتصر على هذه الأمور فقط؛ لكن كثيرًا من الانتقادات الخاصة بالعاملين في الصحافة المصرية، وكواليس الصعود والترقي في المناصب، والتي جاء ذكرها في الكتاب، ما زالت مستمرةً في صحافتنا حتى الآن، مذكرات صلاح حافظ عن الصحافة، السلطان، الغضب، «تذبحنا» بعدة أمور؛ الأول: أنها تكشف لنا عن الفرق الشاسع بين رؤساء تحرير الصحف المصرية قديمًا، وكيف كانت معاركهم المهنية مع بعضهم البعض، أو حتى مع السلطة أحيانًا، وما نراه الآن من شخصياتٍ صحافيةٍ تدير المؤسسات الصحافية المصرية القومية، أقل ما توصف به أنها «عادية»، بل إنَّ صحفًا خاصةً تضم أسماءً أكثر لامعانًا وحرفيةً من هؤلاء.

الأمر الثاني: أن كثيرًا من الأزمات التي كانت تعانيها الصحافة في أيام صلاح حافظ ما زالت مستمرةً حتى الآن، الأمر الثالث: أن طريقة تعامل «عبد الناصر» مع الصحافة تقريبًا نشهد مثلها حاليا.. ما أود قوله أنه أثناء قراءتك الكتاب تشعر أنك تقرأ عن أزماتٍ حاليةٍ في الصحافة المصرية، الفرق فقط في الأجواء الخاصة بالصحافة التي كانت سلطةً حقيقيةً.

في هذا الكتاب، تحدث الكاتب الصّحافي الكبير صلاح حافظ عن اغتيال «السادات»، والأسباب التي كانت وراء ذلك، كاشفًا عن أنَّ ارتداد «السادات» عن الخط الديمقراطي الذي رسمه في البداية كان سببًا في اغتياله، خاصة بعد أحداث 18 و19 يناير (كانون الثاني) 1977؛ حين أعلن عداءه لكل الطوائف والتيارات والنقابات، ثم يأتي المسؤولون الذين قدموا له معلوماتٍ مغلوطةً مثل وزير داخليته النبوي إسماعيل، ثم المجموعة المستفيدة من سياسة الانفتاح (تغيير توجه الدولة من الاشتراكية إلى الرأسمالية والاقتصاد الحر)، وهي المجموعة التي جعلت الفئات الكادحة والفقيرة في حالة تذمرٍ دائمٍ، ومستعدة أن تصفق لمن ينهي هذا الوضع حتى لو كان قادمًا من المريخ.. وقد كان.

فيما يشبه النيران الصديقة، هاجم صلاح حافظ زميله موسى صبري، قائلًا إنه التزم بالدفاع عن سياسة «السادات» على طول الخط، وأقنعه أن كل مواقفه صائبة، بل هاجم كل خصومه.

يعيب الصحافي صلاح حافظ على موسى صبري عدم «فرملة» السادات، وعدم إقناعه بإعادة التفكير في أخطائه، خاصة أنَّ الرئيس الراحل كان يثق به، وكان لدى «موسى» فرصة لإنقاذه من تلك النهاية، لكن الذي حدث كان عكس ذلك؛ فقد كان موسى صبري، والكلام بالطبع لـ«صلاح حافظ» يصور للسادات أنَّ القوى التي تعارضه «مأجورةٌ وعميلةٌ»، مشيرًا إلى أنَّ كل هذا كان السبب في أحداث سبتمبر (أيلول) وحملات الاعتقالات التي أدخلت الحزن في بيوت المصريين وجعلتهم معبئين ضد «السادات».

في حواره، ينتقل «حافظ» إلى الجزء الأهم في هذا الكتاب وهو الحديث عن محمد حسنين هيكل، الصّحافي الأشهر مصريًا وعربيًا، ويقول عنه «حافظ» إنّه كان في عهد «عبد الناصر» رجل دولة يعمل بالسياسة والحكم، يُعين وزراء، ويقرر سياسات.

يكمل حافظ عن هيكل: «تحول إلى رجل دولة واحتفظ من الصحافة والكتابة بمقاله الأسبوعي بصراحة في الأهرام»، مشيرًا إلى أنّ موسى صبري كان كاتبًا وصحافيًا التزم بالمهنة، ففي عهد عبد الناصر كان هيكل صحافي العصر، لكن في عهد «السادات» لم يكن له هذه المكانة خاصة بعد حرب أكتوبر (تشرين الأول).

ويفسر صلاح حافظ هذا الأمر، بأنه عندما جاء «السادات» إلى الحكم لم يكن له رصيد «عبد الناصر»، وبالتالي لم يجد التقدير الذي كان وجده، ولم يكن أحد مع السادات؛ الاتحاد الاشتراكي ليس معه؟ وكذلك اليسار والسلطة الفعلية موزعة على شعراوي جمعة وزير الداخلية، ومحمد فوزي، وزير الحربية، ومحمد فائق وزير الإعلام، ثم سامي شرف، مدير مكتب الرئيس الراحل جمال عبد الناصر للمعلومات.

يؤكد «حافظ» في كتابه أنَّ الرئيس محمد أنور السادات بدأ يخلق لنفسه حلفاء عن طريق عدة أساليب: النغمة الدينية التي نجح من خلالها في استمالة الفريق الديني، ثم ألغى الحراسات، وأفرج عن المعتقلين، ثم لم يستمر في إيثار «هيكل» مثلما كان الأخير في العهد الناصري، والهدف من وراء ذلك أن يكسب كل الصحافيين، الذين كانوا على الأرض وفي الحقيقة يكرهون «هيكل».

وفسّر «حافظ» المكانة الكبيرة التي كان «هيكل» يتمتع بها في العهد الناصري، مبينًا أنه بالفعل كان كاتبًا وصحافيًا «كويس»، لدرجة أن الأفكار الغامضة في ذهن «عبد الناصر» كان «هيكل» يستطيع أن يصيغها، كما كان يدرك أن الحاكم في حاجة إلى من يمده بالمعلومات، لا أن تُطلَّب منه المعلومات والأفكار، فصارت بين الاثنين ثقة شخصية… من النهاية كان «هيكل» مفيدا للزعيم، لكنه مع ذلك لم ينجح في صد غائلة الاضطهاد الثوري ضد مهنة الصحافة التي كانت تعاني، رغم أنه يعلم بكل ذلك قبل أن يصل إلى تلك المكانة الرفيعة بجانب «عبد الناصر».

يرى صلاح حافظ في حواراته أنَّ «عبد الناصر» لم يكن يكترث بالصحافة المصرية، وكان يفضل الاتصال المباشر بالجماهير، وهذه أيضا نظرية كتبها ودافع عنها «هيكل»؛ فالاثنان كانا يكرهان أي نوع من أنواع التنظيم الجماهيري؛ لذلك كان «هيكل» يكره أن يكون للثورة حزبٌ.

وكان من نتيجة هذه السياسة أنَّ حوارات «عبد الناصر» في الصحافة المصرية كانت قليلةً، مرجعًا هذا الأمر إلى الخصومة بين الثورة والصحافة المصرية، أو التقليل من شأن هذه الوسيلة الإعلامية من قبل الزعيم الراحل أيضًا الذي كان يتعامل معها بمنطق: «لماذا أتكلم مع صحافة أملكها.. ليه أجري حوار مع صحافيٍّ ويسطع نجمه بسبب هذا الحوار».

إلى جانب كل تلك التفسيرات، يأتي «هيكل» الذي كان يُصر دائمًا أن يكون الصحافي الأوحد الذي ينفرد بالحديث مع «عبد الناصر» ويناقشه.

يذكر «حافظ» أنَّ «هيكل» كان المتحدث اليومي مع «عبد الناصر» حتى مقاله الأسبوعي «بصراحة» إنما هو أفكار الزعيم الذي كان يجلس بالساعات مع صحافي هندي أو يوغسلافي أو أمريكي أو باكستاني، ولا يجلس دقيقةً واحدةً مع صحافيٍّ مصري.

يرى صلاح حافظ أنَّ هذه الطريقة من جانب «عبد الناصر» مع الصحافة، كانت نوعًا من الإذلال اليومي للصحافة المصرية؛ فقد كان جميع الصحافيين يشعرون أنهم صحافيون من الدرجة العاشرة.

على النقيض تمامًا، يذكر صلاح حافظ أنَّ «السادات» كان يتعامل بوديةٍ شديدةٍ ومحبةٍ مع الصحافة، لأنه كان في الأصل صحافيًا، مرجعًا هذا الأمر إلى أنَّ أنه كان يريد أن يكسب ود الصحافة المصرية، ويتمايز عن «عبد الناصر»، وكان يريد أن يُخلص الصحافة من الإذلال اليومي.. كما أنه أراد أن يقول: إن ««هيكل لم يعد هو الوحيد الذي يتحدث معي، ولكن كلكم مدعوون إلى مائدة الحديث»، بل إنه كان لا يهتم بمراجعة الحوارات الصحافية التي تُجرى معه قبل نشرها.

يقول «حافظ» إنَّ مسألة اختيار صحافيين لكتابة خطب الرؤساء «خطأ فادح»؛ لأنه يُحوّل الكاتب من رجلٍ يقول رأيه إلى حرفي ونساج ينسج خيوطا وأفكارا ليست أفكاره، ويجعل الزعيم يقول كلامًا ليس كلامه، مؤكدًا أنَّ هذه العملية بها قهر للكاتب نفسه، في النهاية يرى «حافظ» أنَّ مسألة الاستعانة بالصحافيين الكبار أو المشاهير في كتابة الخطب الرئاسية «بدعة في حياتنا السياسية».

لا يبتعد الحديث الذي جاء بالكتاب عن العلاقة بين الولاءات والموالاة للنظام والترقيّ في المناصب الصّحافية الذي جاء في الكتاب، عما يحدث الآن، بل تكاد هي الشروط نفسها التي تحكم عملية التغييرات الصّحافية في جميع المؤسسات القومية.

في حواراته، يقول صلاح حافظ إنه في عهد «عبد الناصر» كان من الممكن النجاح صحافيًا بأدواتٍ ووسائل غير صحافيةٍ، كان من الممكن أن تكون رئيسًا للتحرير، ليس لأنك حققت «خبطة» صحافية، ولكن لأنك تنتمي لشلة المشير عبد الحكيم عامر – تولى منصب القائد العام للقوات المسلحة المصرية ووزير الحربية ونائب القائد الأعلى للقوات المسلحة خلال الفترة من 7 إبريل (نيسان) 1954م إلى 19 يونيو (حزيران) 1967م – أو صلاح نصر، (رئيس جهاز المخابرات العامة المصرية بين أعوام 1957 – 1967)، وتسهر معهم وتتحدث باسمهم، فأصبح في الصحافة «أهل ثقة»، معللًا هذا الأمر بأن الثورة كانت تريد فقط المخلصين لها.

في رأي «حافظ»، فإنَّ تفضيل تيار أهل الثقة عن أهل الخبرة في الصحافة المصرية في عهد «عبد الناصر»، كان سببًا في ظهور أجيال صحافية تسعى لا إلى إتقان المهنة والتجويد فيها، ولكن إلى كسب ثقة الحاكم والمسؤول، كاشفًا عن أنَّ هذا كان على حساب الصحافة كمهنة ورسالة، أو حتى كصنعة.

ينتقل الكتاب إلى جزءٍ آخر متعلق بـ«محاكمة عبد الناصر»، والتي بدأت بالتشكيك في الذمة المالية له، وهي القنبلة التي فجّرها الكاتب الصّحافي جلال الحمامصي في كتابه «حوار وراء الأسوار»، عندما اتهم الرئيس الراحل بتهريب «15» مليون جنيه للخارج.

يقول صلاح حافظ إن هذه المسألة، والحديث عن الذمة المالية لـ«عبد الناصر» جاءت بعد توليّ «السادات» الحكم، وإطلاقه حرية الكلام والصحافة، لدرجة أنَّ أعضاء في مجلس قيادة الثورة شنوا هجومًا شديدًا على ثورة يوليو، مثل: كمال الدين حسين، وعبد اللطيف البغدادي، وحسن إبراهيم، وصدر هذا الهجوم في كتاب حمل عنوان «الصامتون يتكلمون»، فضلًا عن الحملة الصّحافية على ثورة يوليو، وهي تلك التي قادها أيضًا جلال الحمامصي.

ويرى «حافظ» أنَّ هذه ظاهرة صحية لأنها توجه نقدًا للحاكم أو الزعيم مهما يكن وضعه، ومهما يكن حب الناس له، لكنه يعود ليقود إنَّ الاتهامات التي وجهها جلال الحمامصي لـ«عبد الناصر»، والتشكيك في الذمة المالية له، كانت اتهامات صبيانية تورط فيها «الحمامصي».

للحديث بقية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد