يتواصل الحديث عن الكاتب المصري الكبير صلاح حافظ، وكتاب الصحافي رشاد كامل المكوَّن من مجموعة حواراتٍ أُجريت مع المايسترو، وحمل الكتاب اسم «الصحافة، السلطان، الغضب.. ذكريات صلاح حافظ»، وكشف من خلاله عن العديد من الأسرار ووجهات النظر السياسية والصحفية.

سقوط الصحف الحزبية.. «ما أشبه الليلة بالبارحة»

كان الكاتب الصحافي صلاح حافظ هو صاحب اسم جريدة «الأهالي» عندما فكر حزب التجمع الوطني التقدمي الوحدوي (أشهر الأحزاب المصرية اليسارية ويرأسه حاليًا عضو مجلس الشيوخ سيد عبد العال) في إصدار صحيفةٍ.

وفي الاجتماع الخاص باختيار اسم الجريدة الوليدة، كان حاضرًا خالد محيي الدين (ضابط سابق في الجيش المصري وأحد الضباط الأحرار، ذو فكر يساري، وهو مؤسس حزب التجمع)، ومحمد عودة، وبدأت عملية اقتراح الأسماء مثل: «المقاتل»، «المجاهد»، «الراية»، «البصير»، وفجأة اقترح «حافظ» اسم «الأهالي»، فجاءت الموافقة وطُلب منه (أي حافظ) أن يكون رئيسًا للتحرير، وبالفعل جرى الاتفاق على ذلك، ولكنه لم يُكمل المهمة، لأنه كان مشغولًا في تلك الفترة، فضلًا عن ظروف نشأة حزب «التجمع»، والخلافات التي حدثت أثناء تشكيل قيادته.

كان «حافظ» يُريد فقط أن يؤسس لجريدةٍ ناجحةٍ بعيدًا عن الصراعات وألعاب الكواليس الحزبية، وهذا الأمر يجرنا إلى وجهة نظر هذا الصحافي المصري الكبير في الصحافة الحزبية، لا سيما أيضًا أن اسمه طُرح لرئاسة تحرير جريدة «الوفد» عند نشأتها، والتي كانت ناطقةً باسم حزب الوفد (حزب ليبرالي يرأسه الآن المحامي بهاء الدين أبو شقة، ويحظى بتمثيل في مجلسي الشيوخ والنواب).

فعلى الرغم من عمل «حافظ» في جميع أنواع الصحف، ومنها الحزبية فإنه لم ينتمِ يومًا لحزبٍ ما، فقد كانت وجهة نظره في ذلك أنَّ الكاتب لابد أن يكون مستقلًا، وهذا لا يعنى عدم الانتماء إلى رأي أو عقيدة، وإنما يعنى عدم الالتزام بتشكيلٍ حزبي، حتى يكون الكاتب فيما يكتب معبرًا عما يرى أنه الحق طوال الوقت، فمثلًا تحدث خيانة للقارئ عندما يكتب الصحافي مدافعًا عن رأي الحزب، وهو يعتقد أن هذا الرأي ليس صائبًا، وهو يرى أيضًا أن الكاتب عندما يكون مستقلًا عن حزبٍ، ويكتب الحقيقة، فهذا مفيدٌ للقارئ وللحزب أيضًا.

ويرى «حافظ» أنَّ الصحافة الحزبية قديمًا كانت مكتملةً؛ لأنها كانت تتضمن الأخبار التي تهم القارئ مثل المواعيد الخاصة بالصلاة، والإعلانات المبوبة، وطلبات الوظائف، وكان من الممكن أن يغلق الحزب أبوابه وتستمر الجريدة في الصدور، ويشتريها الناس، أما صحف الأحزاب حاليًا فهي مجرد نشرات، قديمًا كان الحزب حزبًا، والصحيفة صحيفة.

وعلى الرغم من أن تلك الحوارات التي تحدث فيها صلاح حافظ في جزءٍ منها، عن أزمة الصحافة الحزبية قد نشرت بدءًا من أبريل عام 1984، ثم نشرت مجمعةً في كتاب عام 1991، فإن حديث «حافظ»، ووجهات نظره في أسباب سقوط الصحافة الحزبية ينطبق عليها إلى الآن؛ بالفعل الصحافة الحزبية المصرية مجرد نشرات جعلت القارئ ينصرف عنها، بل وأُغلقت العديد من التجارب الصحفية الحزبية، وهي الأزمة التي ظهرت منذ يناير (كانون الثاني) 2011، ومن تلك الصحف «العربي الناصري»، «الغد»، «الجيل»، «الأمة»، «الحقيقة»، «الجمهوري الحر»، «شعب مصر»، «آفاق عربية».

مأزق الصحف القومية.. لماذا فشلت أن تكون «منبر الأمة»؟

يرى صلاح حافظ في حواراته، أنَّ الصحيفة القومية هي التي تشبه من قريبٍ أو بعيدٍ الـ«بي.بي.سي» البريطانية في صبغتها؛ فالإذاعة والتليفزيون هناك مستقلان، وتُنفق عليهما الدولة لكى يظلا مستقلين، الدولة تنفق عليهما ولا يأتمران بأمرها، هما منبر الأمة، ضاربًا المثل بإمكانية ظهور أحد أقطاب المعارضة في تلك الوسيلة الإعلامية، لمهاجمة الحكومة بشدةٍ، ولذلك عندما تقول الـ«بي بي سي» شيئًا يصدقه المواطن فورًا، لأنه مؤمن 100 % أنه جهازٌ غير منحازٍ، ومهمته التنوير وإعلام الناس بالحقائق.

في رأي «حافظ»، فإنَّ الصحافة القومية المصرية كان من الممكن أن تكون أثمن رصيد للديمقراطية، لو أخذت هذه الصبغة، بمعنى أن تكون صحافة فوضها الشعب لكي تخدمه بإعلامه بالحقائق، وأن تطرح على صفحاتها جميع الأفكار الموجودة في المجتمع طوال الوقت، وأنه لا سيد على هذه الصحافة إلا الشعب.

يكمل: «المأزق الخاص بهذه الصحافة ليس من صنعها، ولكنه من صنع الدولة، التي لا تتيح للصحافة القومية أن تكون بالفعل صحافة قومية، والحكومة حريصة على أن تجعلها منبرها الخاص، وأن تختار لقيادات هذه الصحف من يؤمنون بها وبسياساتها، وهنا تستخدم الحكومة نفوذها لتكون مسيطرةً على الصحف القومية وموجهةً لها، ليس بالرقابة، ولكنها ترسم سياستها دائمًا إلى أن تتوصل في النهاية إلى أن تكون كلمتها نافذةً داخل الصحف».

«الناصرية» و«الساداتية».. برنامج عمل لا نظريات

يهاجم صلاح حافظ المفاهيم الخاصة مثل «الناصرية» و«الساداتية»، ويرى أنها كلمات ليست مصريةً أصلًا، ولكنها أساسًا من صياغات حزب «البعث»، فهو يرى أنه من أفكار البعثيين تحويل أية مجموعة من الأفكار ليصير لها لفظًا، مشيرًا إلى أنه ليس من الصواب جمع أي مجموعة من الأفكار واختراع مسمى لها، ضاربًا المثل بالرأسمالية التي يراها نظريةً اقتصاديةً كاملةً، لكن مبادئ «عبد الناصر» أو «السادات» مجرد مجموعة أفكار، وهي في الواقع برنامج عمل ولا تشكل نظريةً كاملةً.

بالعودة إلى الحديث عن الرئيس محمد أنور السادات، في رأي «حافظ» أن المأزق الذي عانى منه «السادات» في بداية حكمه، أنَّه حل محل زعيم له رصيد ضخم، وكان عليه أن يملأ المكان من خلال صناعة رصيد لنفسه، كاشفًا عن أنه نجح في ذلك بالفعل عندما أوقف سلطات الأجهزة السرية والخفية، وفتح الباب لحرية التعبير، وإعطاء المشروعية للتيارات الفكرية المختلفة التي كانت داخل الاتحاد الاشتراكي (تنظيم سياسي منحل أسسه الرئيس جمال عبد الناصر في 4 يوليو (تموز) 1962 بوصفه تنظيمًا موحدًا يقود الحياة السياسية في مصر، وقد جاء بديلًا عن الاتحاد القومي) ثم عندما تحولت تلك التيارات إلى أحزابٍ، فضلًا عن إلغاء الرقابة، وأخيرًا إنجازه الكبير وهو «حرب أكتوبر».

«كرباج السادات».. أزمة في حوار العقيد «القذافي»

يحكي «حافظ» في كتابه أيضًا قصة الحوار الذي أجراه الصحافي بـ«روزاليوسف» عبد الستار الطويلة مع العقيد «القذافي»، مشيرًا إلى أنه كان سبقًا خطيرًا، وكان به معلومات يصلح كل منها «مانشيت» يكون حديث مصر والخارج، في وقتٍ كانت علاقات مصر وليبيا متوترةً جدًا.

ولخطورة هذا الحوار الذي قال فيه «القذافي»: «إنَّ السادات أخي الأكبر ومن حقه أن يمسك بالكرباج ويضربني»، فقد رأى عبد الرحمن الشرقاوي، وكان رئيسًا لمجلس إدارة «روزاليوسف»، إرسال نسخةٍ من الحوار لرئاسة الجمهورية حتى يقرأَه «السادات» قبل النشر، لأن به ما كان يهمه شخصيًّا.

وحدث هذا، واعترض الرئيس السادات على العديد من النقاط التي أطلق عليها «افتراءات وأكاذيب» في حوار العقيد «القذافي»، ثم كلف صلاح حافظ وعبد الستار الطويلة، بالسفر له إلى الإسكندرية، وجرت المقابلة بالفعل في استراحة المعمورة لمناقشة الحوار، وبالفعل ظل الرئيس أربع ساعات متحدثًا ومفندًا ما أسماه أكاذيب «القذافي».

ولكنه في النهاية سمح بنشر الحوار كاملًا؛ فقد كان صحافيًّا ويدرك أن هذا الحوار الخطير «لقمة صحفية شهية» بالنسبة للصحافي الذي أجرى الحوار، وبالنسبة للمجلة التي ستنشُره، ولم يُرد أن يحرمهما منه.

مدرسة «أخبار اليوم» وسر نجومية «روزاليوسف»

في كتابه أيضًا، يرى «حافظ» أنَّ مدرسة «أخبار اليوم» الصحفية أحدثت نقلةً خطيرةً في منطق الصحافة؛ فقد غيرت دور الصحيفة وبشكلٍ نهائي، فقد كانت الصحيفة أساسها «المقال»، فنقلها علي ومصطفى أمين إلى «الخبر»، وتقديم الخدمات الصحفية، وصارت الصحافة هي صحافة الخبر.

وعلى الرغم من أنَّ هذه المدرسة الصحفية كانت متميزة للملك والقصر وأحزاب الأقلية المعادية للوفد، فإنَّ صلاح حافظ، كان شديد الإعجاب بأسلوب الصحافي مصطفى أمين حتى أنه استخدمه في «روزاليوسف».

أما عن سر تميز مجلة «روزاليوسف»، فيقول صلاح حافظ إنها كانت منذ البداية مدرسةً أسستها سيدة فنانة هي «روزاليوسف»، وكانت مجلةً فقيرةً جدًا، وبحكم ذلك كانت تقف دائمًا مع الشارع، ولأن صاحبتها فنانة فقد كان الموضوع «الكويس» هو الذي ينشر والرديء لا ينشر، هذا هو المعيار، فضلًا عن أنها كانت تعتمد على الجيل الجديد الذي يريد أن يجود ويثبت وجوده، وكانت مجلة «روزاليوسف» دائمًا هي المكان المفتوح الأبواب لكل جديدٍ.

لماذا تخرَّج في مجلة «روزاليوسف» كل الأسماء الصحفية الكبيرة واللامعة؟ يجيب صلاح حافظ: الجواب ببساطة أنهم كجيل جديد لم يكن بمقدورهم الذهاب إلى صحف أخرى راسخة كـ«الأهرام» مثلًا، فكانت «روزاليوسف» هي حضن الشباب دائمًا وبيته، فضلًا عن عمل صاحبة المجلة بقاعدة حرية الرأي والتعبير، فقد كان كل محرر له رأيه الخاص في الفكر والسياسة ويكتبه كما يريد، ولذلك حققت المجلة نجاحاتٍ غير مسبوقةٍ، وكان إحسان عبد القدوس ووالدته هدفهما استمرار إصدار المجلة، وليس تحقيق الربح المادي.

الصحافي والمصادر.. على مَنْ تقع مسئولية صدق الخبر؟

يرى صلاح حافظ أنَّ الصحافة لا تصنع الأخبار، وإنما تنقلها، وعندما يكون النقل عن المصادر الأصلية المسئولة عما تقول، فإنَّ صدق الخبر أو كذبه لا يكون مسئوليتها، وإنما مسئولية المصدر، والمرض ليس في الصحافة، وإنما في المصادر، وفي كثيرٍ من بلاد العالم المتقدم لا يجرؤ مصدر مسئول على التصريح بما ليس حقيقة ثابتة، ولا يسمح لنفسه أن يبالغ أو يدعي ما ليس واثقًا منه.

يقول «حافظ» إنه ليس ذنب الصحافة المصرية أنَّها في مجتمعٍ لم ينجح بعد في إلزام مسئوليه بهذا السلوك، والذي يحتاج إلى علاجٍ الآن ليس الصحافة، وإنما النظم والأجهزة والأوضاع واللوائح والعادات التي تسمح بالافتراء والفشر والمبالغة والكذب وتلوين الحقائق والاعتداء عليها.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد