(1)

يأسك و صبرك بين إيديك و انت حُر
تيأس ما تيأس ، الحياة راح تِمُر
أنا دقت من ده و من ده
لقيت الصبر مُر، وبرده اليأس مُر

وعجبي!

 

كانت هذه من أواخر كلمات أستاذنا صلاح جاهين عن اليأس قبل دخوله حالة إكتئاب حاد سنة 1967 و التي رافقته حتى انتحر عام 1986 ميلادي …

 

في رأيي لم يكن جاهين مُنافقاً بحيث يقصف لنا فكرة اليأس في رباعياته من جهة ، ثُم يذهب ليغوص هو فيها حتي ينتهي الأمر بانتحاره ، ولكن الذي يعلم تفاصيل الحالة التي انتابت جاهين “عليه رحمة الله” سيعلم أنه دخل في حالة اكتئاب حاد بعد نكسة 1967 ، لأنه شعر بأنه كان يبيع للناس آمال و طموحات دولة ، اكتشف هو بعد ذلك أنها دولة تمتلك سياسات فاقدة للصلاحية و لا تستطيع أن تُحقق تلك الطموحات و الآمال بهذا الفِكر الذي أودى بالبلد كُلها لنكسة نفسية و إجتماعية قبل أن تكون نكسة عسكرية.

 

في الحقيقة ليس هذا كله مرمى حديثنا هذه المرة ، و لكنه كعادتنا سويا سيكون حديثنا عن الدلالات ، عن دلالة اليأس ، و كيف أن ليس كُل اليأس خيانة ، و كيف لليأس أن يكون المَخرج الأجدى من النفق المُظلم الذي دخلنا كُلنا فيه ،، سواء كان دخولنا في ذلك النفق هو أحد اختياراتنا العشوائية التي شَكلت حياتنا الحالية ، أو كان دخولا جبريا مع مَن دخلوا.

 

اليأس هو أحد الكلمات الجاذبة النافرة في نفس الوقت ، نظرا لحجم دلالة هذه الكلمة في واقعنا الحالي ، هو أداة التبرير لدى أحدهم ، و أداة الإتهام لدى الآخرين .. هو الواجب و الذنب في آن واحد … هو أحد أفكار التشكيلة الإنسانية ، و هذا يعني أن لليأس قوته وليس كُله ضعف أو خيانة.

 

في حدود منظاري الخاص ، أرى أن قدرة الإنسان على اليأس هي أحد الخوارق في زمننا هذا ، رغم أن هذه القدرة النفسية موجودة بالأساس في تشكيلته كما ذكرنا سابقا ، و لكن تراب الأحداث و المؤثرات دَفن تحته الكثير من ممكنات هذه النفس الإنسانية.

 

نعم. قدرتك على اليأس مِن الأشخاص ، الجهات ، المؤسسات ، الهيئات ، التنظيمات ، الحكومات ، الإتجاهات .. هي أولى خطوات تغيير عتبة رؤيتك ، و بالتالي فهي أولى خطوات تغيير الواقع الذي كبتت كُل هذه الأطراف على أنفاسه و أنفاسك معه لسنوات طويلة.

 

(2)

و الكُفر هو المرحلة الأبعد ، مرحلة ما بعد اليأس ، فهنالك الكثير من المفاهيم والأفكار والتصورات “على المستوى النظري” ، و الأشخاص و المؤسسات “على المستوى التطبيقي” ، و التي لن ترحل عن كتفيك إلا بالكُفر بها ، و لن ينقطع عبثها الدائم بأحوال الناس و أحلامهم إلا بإعلان حالة اليأس في وجه تصوراتها و خطواتها التي أخرجتنا جميعا من العصر و أودت بنا نحو الهلاك، فسقط من سقط ، وبقيّ من بقيّ بين مجروح القلب ومبتور الفِعل.

 

اليأس و الكُفر …
لا حديث عنهما في الأوساط العامة و الميديا بكل أنواعها إلا و يذكرهما الناس بسوء ، وكأنهما السبب الذي أفسد علينا عالمنا! تلك ثقافتنا العامة ، زُرعت فينا أو زرعناها بأيدينا ، لا فرق، المهم أنها موجودة بالفعل ، فصرنا نُقيد كل شئ فقيدنا المصطلحات و المفاهيم و الدلالات بمعانٍ ثابتة جامدة ، فأصبح اليأس خيانة ، ولا شئ آخر غير ذلك ، و أصبح الكُفر أخبث الأشياء على ظهر الأرض!

 

كيف يصير هذا في حين أننا رأينا تجارب كثيرة أخرى استخدمت اليأس و الكُفر في اصلاح أحوالها ، فيأست من أحوالها المتردية و كفرت بأفكارها البالية و رموزها الواهية ، فكانت هذه هي الخطوة الأولى التي شَكّلوا بها واقعهم الجديد ، حتى صاروا أحد الأطراف الفاعلة في عالمنا الحالي.

 

ألمانيا تلك الدولة النازية التي احتضنت كم من الأفكار التي كانت تكفي لتدمير العالم ، نجدها في 1961 ميلاديا ليست ألمانيا النازية التي كان يعرفها العالم حتى نهاية الحرب العالمية الثانية 1945 ميلاديا.
ستة عشر عاما فقط استغرقتها ألمانيا لتصنع عصرها الجديد ، صنعته ألمانيا بالكُفر بأفكارها القديمة التي دمرت 95% من البنية التحتية للدولة في نهاية 1945 ، و في غضون سنوات قليلة كانت تنافس في مربع الأقتصاد العالمي في مطلع عام 1961.

 

ثُم اليابان ، ذلك الكوكب الجميل الذي لا يعيش معنا على الأرض كما يقول عنها البعض ، انظروا لها أيضا في نهاية 1945 ميلاديا و ما سَبق هذه العام ، ثم انظروا لها بداية من عام 1947 م و هي تُعيد النظر في كل ما يتعلق بشأن زراعة الأفكار و التعليم حتى الوصول لذروة هذا العمل في عام 1989 م و هي تُقدم لنفسها و للعالم نظام تعليمي و فكري لم يشهده زمانها ، حتى وصلت اليابان إلى ما وصلت إليه الآن.

 

نعم، نحن بحاجة إلى إعادة النظر في كُل ما شَكّل لنا ذواتنا و شَكّل علينا حياتنا ، بحاجة إلى النظر في أنفسنا ، في أفكارنا ، أدواتنا ، ممكناتنا ، بحاجة إلى النظر في التصورات و المصطلحات التي قيّدناها و قيّدنا أنفسنا بها .. حينها ستحكي لنا تجارب كثيرة بأن اليأس هو أحد عوامل النجاح ، و أن الكُفر أحد ركائز الإيمان.

 

نعم للمرة الثالثة، الكُفر بالقيود و الأُحاديات و تصورات العصور الوسطى هي أحد ركائز الإيمان بالذات و ممكناتها المتجددة عبر العصور.

 

أما اليأس، ذلك السلاح الذي قَتل الكثير ، هناك من استخدمه لإنهاء صلاحية من خرجوا به خارج اطار الزمن ، فصَنع بيأسه منهم عصرا جديدا ، و تقدمت به أماكنه و دوائره ، و هناك من ترك يأسه لنفسه ، فراح ضحية يأسه النفسي كما ذهب أستاذنا صلاح جاهين وغيره.
فلا تغمد سيف يأسك في صدرك ، بل أخرجه و حارب به كل مَن أرادك خارج الزمن .. خارج العصر و السباق.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد