اندهشت للوهلة الأولى من هؤلاء الكذابين المجترئين على رمز العروبة، والمجاهد الفذ المغوار: «يوسف بن أيوب بن شاذي بن مروان بن يعقوب الدُويني التكريتي» المشهور بلقب صلاح الدين الأيوبي، الذى يدين له جميع العرب، والمصريون خاصة، بالفضل بعد الله تبارك وتعالى، صلاح الدين محرر المسجد الأقصى مسرى الرسول – صلى الله عليه وسلم- صلاح الدين الذي استحى أن يضحك والمسجد الأقصى أسير.

لكن بعد لحظات من التفكر قلت: ولماذا الاندهاش وقد تطاولوا من قبل على الله تبارك وتعالى، وعلى رسوله – صلى الله عليه وسلم- وسبوا الصحابة – رضي الله عنهم- وسبوا أمهات المؤمنين – رضى الله عنهن- فليس من الغريب أن يتطاولوا على رمز من رموز الأمة العربية والإسلامية.

نعم تجرأ من قال على صلاح الدين الأيوبي إنه من أحقر الشخصيات في التاريخ الإنساني؛ لأنه أحرق أكبر مكتبة في مصر، ولأنه عزل الرجال الفاطميين عن النساء ليقطع نسلهم، نعم تجرأ دون أن يتحقق مع أنه من المفترض أنه باحث، فأين أمانة النقل والبحث، وقبل أن أكتب لأرد لهذا البطل المغوار بعضًا من كثير مما منحه لنا، قمت بالبحث في هاتين النقطتين في كتب التاريخ المختلفة أمثال: «الكامل في التاريخ» لابن الأثير، و«تاريخ الحروب الصليبية» لستيفن رنسيمان، و«تاريخ البطاركة مخطوط سيرة الآباء البطاركة» لساويرس أسقف الأسمونين، فوجدت ما يلي:

نعم قام صلاح الدين بإحراق بعض الكتب، وليس كل الكتب التي كانت في مكتبة القصر الفاطمي، نعم أحرق كتب الدعوة الإسماعيلية الشيعية الرافضية فقط؛ لأنها كانت من أهم وسائل التأثير التي يتخذها دعاة الفاطميين للترويج لدعوتهم، أما باقي الكتب غير المذهبية، ككتب العلوم المختلفة التي استأثر بها أكابر الفاطميين لأنفسهم في مكتبة القصر الفاطمي ليعم الجهل بين عامة المصريين، فقد عمل صلاح الدين على إعطاء هذه الكتب كهدايا لكبار العلماء، وأنصار الدولة الأيوبية ليقوموا بدراستها ونشر العلوم التي تحويها بين الناس.

نعم قام صلاح الدين بنقل أهل العاضد آخر الحكام الفاطميين إلى موضع من القصر، وأكرمهم وقطع لهم نفقة ووكل بهم من يحفظهم، ولم يأمر كما يقول أهل الكذب بالتفريق بين رجال ونساء الفاطميين ليحد من نسلهم، ولم يخرجهم للإقامة خارج قصر الحكم، ولم يجبرهم على تغيير مذهبهم، كما فعلوا هم من قبل مع المصريين السنة فشيعوهم رغمًا عنهم.

لقد كان صلاح الدين رجلًا بمعنى الكلمة، فعندما نشبت ثورات عدة تهدف إلى استعادة السلطة الفاطمية، واجهها صلاح الدين بحزم وقوة، لكن صلاح الدين كان يؤاخذ الناس بفعلهم لا بمذهبهم، فهو لم يقتل الشيعة لأنهم شيعة أو السنة لأنهم سنة، وإنما قتل من تآمر لاسترداد حكم فاسد مترهل، عاجز عن حماية الأمة ومفرق لكلمتها ووحدتها، وكان من بين هؤلاء المتآمرين سنة وشيعة لا ضمائر لهم، مدوا يد الوصل إلى الصليبيين المتربصين من أجل استعادة نفوذهم في مصر.

لقد واجه صلاح الدين الفكر بفكر بديل، والفقه بفقه منافس، كما واجه السيف بالسيف، وهذا هو العدل والحكمة، كانت منهجية صلاح الدين هي تغيير المناخ الفكري والفقهي السائد بطريقة مترفقة هادئة، دون مواجهة أو ضوضاء، ولما كان الجامع الأزهر يومها غرة الدولة الفاطمية، ومركز أيديولوجيتها، وأهم إنجازاتها العلمية، لم يسع صلاح الدين إلى هدمه، أو انتزاع قيادته من الفاطميين وأشياعهم من الفقهاء، وإنما انتهج إستراتيجية التفاف حكيمة للتعاطي مع هذه المؤسسة العظيمة، فنقل صلاح الدين خطبة الجمعة من الجامع الأزهر إلى الجامع الحاكمي بالقاهرة، فهمش المؤسسة التي يسيطر عليها الفكر الفاطمي، والتف عليها بحكمة وروية، دون أن يدخل في مواجهة مفتوحة مع القوى الدينية المرتبطة بالنظام القديم، فأسس المدارس لتدريس الفقه للناس على مذهب أهل السنة والجماعة، وبعد أن ترك الناس الجامع الأزهر، وأصبح لا يرتاده إلا القليل من أصحاب المذهب الشيعي أمر بإغلاقه.

هذا هو صلاح الدين الذي اتهمه أصحاب النفوس الضعيفة بالكذب، وشوهوا سيرته المليئة بالعزة والنصر، ليهدموا لنا كل رمز نفتخر به، أو يقتدي به أبناء هذا الجيل، لن ينسى التاريخ، مهما مر من الزمن، أمجاد هذا المجاهد الفذ المغوار وبطولاته.

عذرًا مرة أخرى صلاح الدين، فكم قصرنا في حقك وحق عروبتنا، حتى خرجوا علينا من جحورهم التي سبق وأن فروا منك إليها.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد