جسَّد صلاح الدين المعنى الحقيقي لنبل وشرف الفروسية الإسلامية، وتسببت أخلاقة الفريدة في أن يكون مثار انبهار المسلمين والمسيحيين واليهود على حد سواء. وقد مثّل بجدارة الشخصية الكاريزمية الرئيسية في تاريخ تلك المرحلة المؤثرة والحاسمة من تاريخ العلاقات بين الإسلام والمسيحية، والتي عرفت بالحروب الصليبية. وقد أعجب به مؤرخو الصليبيين والبيزنطيين بصورة لم تتأت لأي قائد مسلم سابق، وأشاروا إلى أن صلاح الدين كان يمثل نوعًا من القيادة المتميزة بمواهب شخصية أشبه بالسحر والقدرة على إثارة الجماهير، كما وصفوه بالشجاعة والكرم والحذر وامتلاك روح المبادرة.

وقد أشاد الفارس إرنول بإنسانيته عند دخوله بيت المقدس، عندما تسامح مع أعدائه الصليبيين؛ أما المؤرخ البيزنطي نيكتاس خونياتس فقد ذكر: “إن المسلمين أكثر رحمة وإنسانية من الصليبيين، فعندما استعادوا بيت المقدس عاملوا النصارى بلطف ورقة، وحافظوا على نسائهم ولم ينتهكوا ولم يدنسوا على الإطلاق قبر المسيح، وحرصوا على دفن موتاهم بجواره.

بينما في يوم سقوط القسطنطينية في قبضة اللصوص من العناصر الصليبية أسرعوا بنهب المنازل التي يقيم فيها الآمنون، وأكرهوا سكانها على إرشادهم عن أماكن إخفاء أموالهم وعاملوهم بقسوة وعنف”؛ أيضًا حريٌ بنا ألا ننسى تاريخ الإفرنج الأسود عند دخول القدس، فقد ذكر المؤرخ ميشود كثيرًا من فظائع الإفرنج حين دخلوا القدس فقال: “كان المسلمون يُقتلون في الشوارع، ولم يكن للقدس من ملجأ يلجأ إليه؛ وكان بعض القوم يفر من الذبح فيلقي بنفسه من فوق الأسوار، وكان الإفرنج المنتصرون يمشون على آكام من الموتى المسلمين، وقد أُحْرِق بعضهم وهم أحياء؛ وذهب في هذا الوقت نحو سبعين ألفًا من المسلمين بلا ذنب ولا إثم”.

دخل القائد المظفر صلاح الدين الأيوبي القدس فاتحًا في ليلة المعراج 27 رجب الموافق 2 أكتوبر 1187م، وقد كانت أحداث الفتح عظيمة على نفوس المسلمين، ويحق لنا أن نزهو ونفخر بذلك الخلق الإنساني الرفيع الذي عامل به صلاح الدين الأسرى من الإفرنج. فحقًا استرد صلاح الدين القدس للإسلام والمسلمين، إلا أنه برغم عظمة الانتصار لم يستسلم لحظة لمشاعر الرغبة في التشفي والانتقام. وقد ضرب البطل صلاح الدين أروع الأمثلة في تعامله مع الأسرى فكان يسمع نساء يبكين أزواجهن من الأسرى وأولادهن المفقودين فتترقرق عيناه بالدموع ويبكي معهن، فقد كانت الرحمة في قلب صلاح الدين نافذة لا تعرف في قاموسها قريبًا ولا بعيدًا، إنها تتسع حتى تعم الإنسانية كلها.

ولم يرض صلاح الدين لنفسه في هذا المقام أن يبكي فقط بل أسرع بالأمر إلى هؤلاء الأزواج والأولاد أن يتبعوا نساءهم وأمهاتهم، وكانت هذه الدموع سببًا في إطلاق الآلاف من الأسرى الإفرنج، وحرص على عودة الأطفال المفقودين لأحضان أمهاتهم. ويذُكر أنه كان يأمر لجميع الأسرى بالطعام والماء المثلج وأن يداوى الجرحى منهم منفذا كلام الله تعالى (وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا) وسنة نبيه المصطفى عليه أفضل الصلاة والسلام حين قال “استوصوا بهم خيرًا” قاصدًا الأسرى ..

وقد سمح صلاح الدين للنصارى المقيمين بالقدس – والذين بلغ عددهم 100,000 تحديدًا-  بمدة شهر كي يرحلوا وكان عليهم دفع جزية الرحيل، وسمح لهم أيضًا بأخذ متعلقاتهم، وكذلك النبلاء الأثرياء الذين تكتظ بيوتهم بالجواهر والمقتنيات الثمينة. وعندما ظهر ما يقرب من 30,000 مسيحي فقير ممن لا يستطيعون دفع جزية الرحيل، وقد انتشرت الشائعات وشاع الهلع بينهم أنهم سيقتلون أو سيجبرون على اعتناق الإسلام قسرًا، إلا أن صلاح الدين كان على الجانب الآخر يفكر بمنتهى النبل.

فبينما اقترح مستشاروه أن يدفع الأسقف المسيحي الثري هرقل الذي سيرحل أيضًا من القدس فدية المسيحيين المتبقين كافة، رفض صلاح الدين أن يُقْبِل على مقايضة كتلك، بل ودفع هو وأخوه وصهره المال من مالهم الخاص وسمح للأسقف بالرحيل بكافة متعلقاته وثروته، ولم يكتف بهذا فحسب بل يذكر ابن شداد أن صلاح الدين قد رتب أمر الراحلين وحرص على راحتهم، فجمعهم خارج المدينة تحت حراسة مشدَّدة، وقسمهم إلى ثلاث مجموعات، وأرسلهم مخفورين؛ خشية أن يتعرَّضوا لهجمات البدو أو الصليبيين الفارين في الطريق.

وفي عام 1192م لاحت في الأفق جولة أخرى عندما عاد ريتشارد قلب الأسد رغبة منه في الاستيلاء على القدس من جديد، إلا أنه بالرغم من المحاولات الباسلة تعرقلت الحملة. وبرغم أن صلاح الدين وريتشارد لم يتقابلا فعليا لكن يبدو أن صلاح الدين كان حريصًا على أن يظل منتصرًا على ريتشارد بأفعاله الكريمة وأخلاقه النبيلة؛ فعندما مرض ريتشارد في حصار إيكر في عام 1192 م، أرسل له صلاح الدين طبيبه الخاص ابن ميمون لعلاجه، ولم يكتفِ بهذا فحسب بل أرسل له الثلج لمساعدته في الشفاء من الحمّى وكذا بعض الفواكه والأعشاب المعالجة.

وعندما قُتل حصان ريتشارد في إحدى المعارك ووجد الملك الإنجليزي نفسه على قدميه في مواجهة جيش المسلمين بأكمله، أصدر صلاح الدين الأوامر فتركه المسلمون يمشي عبر كتيبتهم كلها دون مهاجمته، وأرسل له صلاح الدين فرسين حتى لا يشعر بقلة الحيلة، ولما توجب على ريتشارد ترك الحملة الصليبية والعودة إلى بلاده سمح له صلاح الدين بالتراجع بشرف.

وليس غريبًا أن يكتب المؤرخ الفرنسي رينيه جروسيه عن صلاح الدين قائلًا: “حقًا إن كرمه وورعه وعدم تعصبه، وكونه نموذجًا للتسامح والتواضع جعلته يفوز بقدر من الشعبية لدى الإفرنج على نفس القدر الذي حظي به في بلاد الإسلام”؛ أما دانتي صاحب الكوميديا الإلهية، فلم يستطع أن يسيء إلى صلاح الدين بل أثنى عليه وجعله ضمن مرتبة خاصة أطلق عليها “الأرواح عظيمة القلوب”.

وليس عجيبًا أيضًا أن يظهر لدى الصليبيين أساطير تنسج حول صلاح الدين لعل أشهرها Legend of Saladin حيث تم تصويره وقد تزوج من اليانور أم ريتشارد قلب الأسد وزوجة لويس السابع ملك فرنسا ومن بعده هنري الثاني ملك إنجلترا. أما بالنسبة للفرنسيين فوصل انبهارهم بأخلاقه إلى ابتداعهم شجرة نسب أسطورية تشير إلى أن صلاح الدين ينحدر من أصول فرنسية.

ولابد من أن صلاح الدين كان يتمتع بشخصية ساحرة أخاذة، الأمر الذي جعل حتى اليهود يثنون عليه؛ فيقول المؤرخ اليهودي الياهو أشتور: “أنه في أوروبا في القرن الرابع عشر الميلادي – بعد انتهاء الحروب الصليبية في الشرق – وفي الليالي المظلمة، كان الأوروبيون يجتمعون عند المدفأة كي يستدفئوا وهم يرددون قصصًا عن صلاح الدين؛ وإن دل ذلك على شيء فهو بالغ إعجابهم به وأنه تمكن من غزوهم في عقر دارهم في الغرب الأوروبي!”.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد