استيقظت مصر اليوم على سيول شديدة, كانت الأرصاد حذرت منها خلال الأيام القليلة الماضية, لكن هذه الرسالة الموجهة للكل لم يستوعبها، إلا البعض أو لم يستوعبها أحد على الإطلاق.

الأرصاد حينما حذرت من سقوط أمطار غزيرة وبضرورة توخي الحذر, فهي بطبيعة الحال تحذر كل من المواطنين والدولة, والدولة قبل المواطنين, تحذر المناطق التي تسقط الأمطار عليها بغزارة, وتحذر الهيئات المسئولة عن هذه المناطق, لأخذ الاحتياطات اللازمة.

لكن هيئة الأرصاد مع الأسف غفلت شيئا مهما للغاية, أنها تخاطب المسئولين المصريين, المعروف عنهم وبكل أسف بطء في إدراك الموقف, وكأنها عادة فرعونية قديمة, فهذه ليست صفة لصيقة بوزارة جديدة أو نظام جديد, بل هي طبيعة متأصلة في أي مسئول مصري, وأيا كانت درجته الوظيفية أو الحقبة الزمنية التي ينتمي إليها.

بعد الهنا بسنة

فلسفة أي مسئول مصري في التعامل مع الأزمات, فهو يبدأ في التحرك لتدارك أي موقف بعد “الهنا بسنة”, فكم من قرار سمعنا به اليوم, وكم من اجتماع عقده المسئولون, وكم من زيارة قام بها مسئول كبير للأسكندرية ليتفقد الموقف عن كثب!

 

 

 
فوزير التنمية المحلية يتجه إلى الاسكندرية ليطٌلع على الأمور, ومحافظ الإسكندرية يتقدم باستقالته, والمنوفية ترفع حالة الاستعداد القصوى بالمحافظة, ونائب محافظ القاهرة يطلب حصرا لعدد البالوعات منزوعة الغطاء, ورئيس الوزراء يتفقد شوارع الاسكندرية, والرئيس يعقد اجتماعًا عاجًلا غدًا لبحث الأزمة, لماذا تم هذا كله اليوم, لماذا لم يتم أمس مثًلا, وبدلا من تفقد شوارع الإسكندرية بعد غرقها, يكون تفقد شوارع الإسكندرية استعدادًا لبداية فصل الشتاء, من الأساس لماذا يربك حدث بسيط للغاية كسقوط أمطار غزيرة كل أجهزة الدولة ويصبح حديث الساعة بها, فما حدث ليس اندلاع بركان, أو زلزال مدمر.

من هول المفاجأة

فالأزمة التي تعاني الإسكندرية منها بسبب الهطول الشديد لمياه الأمطار ليست وليدة اليوم, بل متعارف عليها منذ سنوات, فأين المفاجأة في ذلك؟ فأنا أشعر، مع كل هذه التحركات والقرارات التي اتخذها المسئولون اليوم, أنهم فوجئوا بالأمر, استيقظوا فوجدوا أن الله غمر أرض مصر بمياه المطر بعد سبع سنين عجاف!

لهم أعذارهم, مات من مات, وخرب ما خرب, فهذه إرادة الله, ولم نكن نعلم أن ما حدث كان سيحدث, نبدأ صفحة جديدة مليئة بالقرارات المشجعة, قرارات على نحو تخصيص 75 مليون جنية لإصلاح أزمة مشروعات الصرف الصحي, والدفع بـ 112 سيارة شفط مياه, ولأنه اتضح أن مصر دولة تسقط بها الأمطار, سيتم توريد 30 سيارة لشفط المياه خلال شهرين.

الحل بسيط

نحن نعقد الأمور على أنفسنا, في حين أن الحلول بسيطة وغير مكلفة, فأزمتنا حلها في مقولة “لا تؤجل عمل اليوم إلى الغد”, عمل اليوم كان إعداد الإسكندرية لاستقبال شتاء حذر منه خبراء الأرصاد مرات ومرات, فالصيف شديد الحرارة سيعقبه شتاء شديد البرودة, هكذا قالوا.

والأزمة موجودة ومنذ فترة, كان على محافظ الاسكندرية حينذاك استغلال شهور الصيف الطويلة, ليعد المحافظة لاستقبال شتاء ممطر, فيكلف مجلس المدينة الإشراف على أحد الأحياء في فترة زمنية معينة, لإصلاح شبكات الصرف فيها, ورصف الطرق, لاستيعاب المطر, لينتقل بعد ذلك إلى حي آخر وهكذا, فيأتي الشتاء والمدينة في أتم الاستعداد له, لكن الآن فالكارثة وقعت بالفعل, والوقت لاستيعابها ضيق, فالفكرة في الأولويات, وهذا ما لم يعمل حسابه محافظ الإسكندرية, فاستيقظنا على هذه الكارثة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد