في ظل الأحداث الأمنية المتسارعة التي تشهدها عدد من المحافظات العراقية بين شد وجذب بين القوات الأمنية العراقية ومليشيات الحشد الشعبي “متطوعون شيعة موالون للحكومة” من جهة، وبين تنظيم الدولة المعروف بـ”داعش” من جهة أخرى، يبقى زخم النفوذ الخارجي في إدارة رحى تلك المعارك يتسع بشكل ملحوظ، فالتغطية الجوية للتحالف الدولي بقيادة أمريكية والهجمات البرية العراقية بقيادة وإشراف إيراني، لكن الأمر بدا مختلفًا في المعارك الجارية بمحافظة صلاح الدين.

وبعد أن أطلق رئيس مجلس الوزراء العراقي، حيدر العبادي، في الأول من آذار عبر خطاب بُث عقب انتهاء اجتماعه مع القادة الميدانيين في سامراء، عملية تحرير محافظة صلاح الدين من تنظيم “داعش”، وفيما أشار إلى أن الأولوية أعطيت للقوات المسلحة والحشد الشعبي، أعلنت الولايات المتحدة أنها لم تتلق هي وحلفاءها طلبًا من العراق لشن غارات دعمًا للقوات الحكومية التي تنفذ عملية واسعة لاستعادة مدينة تكريت من أيدي تنظيم “داعش”.

تنحي أمريكي أم رفض إيراني

عضو في مجلس محافظة صلاح الدين، أحمد الناظم، كشف أن المجلس التقى مسؤول قوات التحالف في المحافظة، وبحث معه آلية المشاركة والتنسيق مع قوات الحشد الشعبي في تحرير مدينة تكريت والدور، إلا أن التحالف رفض المشاركة بالغطاء الجوي بسبب وجود قوات الحشد الشعبي في المحافظة والمتمركزة في جامعة تكريت وقاعدة سبايكر الجوية.

من ناحيته صرح النائب الشيعي، أحمد الأسدي، المتحدث باسم متطوعي الحشد الشعبي بأن معركة تحرير صلاح الدين من سيطرة تنظيم “داعش” تنطلق أهميتها كونها واحدة من المواقع الرئيسة والأساسية للتنظيم، فيما أكد قادة إيرانيون رفضهم الوجود الأمريكي في العراق بذريعة إحلال الأمن كونه يمثل عمقًا استراتيجيًّا لإيران.
ومن جهته قال المتحدث باسم “البنتاغون” ستيفن وارين: “نحن مدركون لوجود اهتمام إيراني كبير في القتال العراقي ضد “تنظيم الدولة الإسلامية”، من دون إعطاء تفاصيل إضافية”، فيما قال رئيس هيئة الأركان العامة للقوات المسلحة، اللواء فیروز أبادي أن: “جنود کل بلد یتحملون مسؤولیة الدفاع عن وطنهم وصیانة حقوقهم، ومن هذا المنطلق نحن نرفض الوجود الأمريكي في العراق من حیث إننا نعتقد أنه لا یمكن اللجوء إلى الخیار العسکري بذریعة إحلال الأمن والاستقرار في بلد ما’.

تباين آراء نيابية

تباينت آراء نواب عراقيين إزاء التدخل الإيراني في العراق، حيث أرجع نواب سنة “التدخل الإيراني إلى ازدياد نفوذ تنظيم داعش في البلاد وتخاذل الدول عربية، فيما عد نواب شيعة الوجود الإيراني في العراق لا يتعدى الدور الاستشاري والتدريبي” على حد وصفهم.

وقالت انتصار علي (سنية) عضو الكتلة الوطنية بالبرلمان العراقي، إن “احتلال تنظيم داعش للعديد من المحافظات أثر كثيرًا على القرار العراقي وجعل الحكومة العراقية عرضة لضغوط خارجية كثيرة، رافقها عجز مالي كبير ونقص شديد في التجهيزات العسكرية والمعدات القتالية، ما جعلها ضعيفة أمام الحد من أي توسع لدول الجوار في العراق”.

وأضافت أن “داعش تسبب بفقدان الحكومة السيطرة على السلاح في الشارع العراقي، وأصبح التدخل الإيراني واضحًا برغم أن الحكومة أعلنت أن التدخل ينحصر فقط في الجانب الاستشاري، لكن واقع الحال أن هناك سيطرة للجانب الإيراني على إدارة المعارك في صلاح الدين (شمال)”.

وتابعت انتصار علي قائلة إن “موقف التحالف الدولي انحصر تدريجيًّا في العراق بسبب التدخل الإيراني، وزيارة رئيس أركان الجيش الأمريكي مارتن ديمبسي إلى بغداد هو لمعرفة موقف الحكومة العراقية من التدخل الإيراني”.

بدوره، قال مثال الألوسي، رئيس كتلة التحالف المدني في البرلمان العراقي (سني) إن “هناك تناغمًا أمريكيًّا إيرانيًّا بشأن وضع العراق والمنطقة بصورة عامة”، مشيرًا إلى أن” التدخل الإيراني في العراق يتم عبر اتفاق رسمي سيعلن قريبًا”.

وأضاف الألوسي أن “هناك تناغمًا أمريكيًّا إيرانيًّا حول العراق وحول مسائل عديدة في المنطقة، وهناك اتفاقية بين أمريكا وإيران بخصوص الوضع في المنطقة، وسيعلن عنها قريبًا، والآن الولايات المتحدة تحاول إيجاد طريقة لتسويق الاتفاقية”.

وتابع أن “المنطقة تعاني من فراغات ومنها العراق خصوصًا بعد الانسحاب الأمريكي، ومع دخول داعش إلى المدن العراقية، أصبح هناك فرصة أكبر للدخول الإيراني الواضح في العراق، وهم الآن يسيطرون على محوري سامراء وبغداد”.

ورأى الألوسي أن “الدول بالجامعة العربية خذلت العراق حكومة وشعبًا بعدم مساندته بحربه ضد داعش، وأصبحنا مجبرين على التعاون مع الجميع لقتال تنظيم داعش”.

يشار إلى أن العراق يشن حملة عسكرية واسعة منذ الاثنين الماضي بمشاركة نحو 30 ألف عنصر من الجيش والشرطة، وفصائل “شيعية” مسلحة، وأبناء بعض العشائر السنية؛ لاستعادة تكريت مركز محافظة صلاح الدين، ومدن وبلدات أخرى في المحافظة من تنظيم “داعش”.

إلى ذلك عد ائتلاف دولة القانون (شيعي) أن الوجود الإيراني في العراق لا يتعدى الدور الاستشاري والتدريبي، كما هو الحال للدور الذي يلعبه التحالف الدولي عبر تقديم الاستشارات العسكرية وتدريب القوات الأمنية العراقية لمواجهة “داعش” على حد وصفه.

وقال عبد السلام المالكي عضو الائتلاف، إن “إيران داعمة للعراق في الجانب الاستشاري وتقديم الاسلحة والمعدات القتالية، أما التدخل الإيراني بصورة مباشرة لا وجود له على أرض الواقع، ولا نستغرب من الموقف الإيراني الذي يندرج ضمن المساندة للجانب العراقي كما تقدمها التحالف الدولي”، وهذا ما يناقضه الواقع وصور قائد فيلق القدس الإيراني قاسم سليماني التي تبث عن تحركاته وإدارته للمعارك في العراق.

وتابع أن “التدخل الإيراني في العراق جاء بعد استشعار بأن خطر داعش لا يعد تهديدًا للعراق فحسب، بل لكل المسلمين والمنطقة برمتها ومنها إيران، والدعم العسكري الإيراني للعراق جاء بعد عدم التزام الجانب الأمريكي بتسليح القوات العراقية ضمن العقود المبرمة، والتي تأخرت في تسليمها للعراق”.

تجدر الإشارة إلى أنه وفي وقت سابق، نفى مسؤول بازر في الحشد الشعبي، وجود قوات إيرانية نظامية تشارك إلى جانب القوات العراقية وقوات الحشد الشعبي في معارك استعادة السيطرة على مدينة تكريت وناحيتي العلم والدور في محافظة صلاح الدين.

موقف رسمي عراقي

اعترف وزير الدفاع العراقي خالد العبيدي، بأن إيران تقدم “دعمًا كبيرًا” لمليشيات الحشد الشعبي المتحالفة مع القوات العراقية، في حين قال رئيس هيئة الأركان الأمريكية مارتن ديمبسي في مؤتمر صحفي مشترك مع العبيدي في بغداد إن تنظيم الدولة الإسلامية سيُهزم.

ودافع العبيدي عن اعتماد العراق على إيران التي قال إنها واحدة من حلفاء كثيرين، وقال إنه حين يحتاج الجيش العراقي شيئًا لدى إيران فإنه يفيد منه، وكذلك الحال بالنسبة للولايات المتحدة.

وأضاف أن إيران تقدم دعمًا كبيرًا لقوات الحشد الشعبي، معتبرًا أن مصطلح المليشيات مضلل، وأنه ينبغي وصفها بأنها “قوى شعبية”.

وأكد أنه “عندما احتلت داعش بعض المدن العراقية كان وضع الجيش العراقي حرجًا جدًا، ولذلك طلبنا مساعدة الأصدقاء، ونحن نتعامل مع الدول إن كانت أمريكا أو إيران من خلال الدولة العراقية، ونحن نوازن الأمور بشكل جيد جدًا، والكل يساعد بطريقته الخاصة”.

وتابع العبيدي: “سنحاول أن لا نستعين بأي تدخل أجنبي في استعادة تكريت أو أية منطقة سيطر عليها داعش، والموضوع يبقى متعلقًا بطبيعة المعركة”، موضحًا أنه “لا بد أن يكون هناك تعاون دولي بإشراف من الأمم المتحدة لإعادة إعمار المدن والمناطق التي يتم تحريرها من عصابات داعش لتلافي مأساة إنسانية”.

وتكريت هي مسقط رأس الرئيس العراقي الأسبق، صدام حسين، الذي دخل بحرب مع إيران خلال ثمانينيات القرن الماضي، استمرت ثماني سنوات، غير أنها تخضع لسيطرة تنظيم “داعش” منذ حزيران الماضي.
وبالرغم من الرفض الأمريكي التدخل عن طريق التغطية الجوية للمعارك في صلاح الدين العراقية، إلا أنها لم تعلن موقفًا رسميًّا واضحًا من تواجد عسكري للغريم المعلن “إيران” على الأرض العراقية، وهذا يشير إلى ود خفي بين الجانبين، قد يرقى في بعض الأحيان إلى إرادة مكسورة تعجز أمامها السياسة الأمريكية من فرض واقع آخر ينافي ما هو موجود على أرض الواقع من نفوذ إيراني يجتاح العراق.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد