عندما يصبح الوهم سلعة تباع، فيستقبله قطاع عريض من الناس بالتهليل والتصفيق، فاعلم أنك في زمن الكفتة، وعندما ترى قطاعًا آخر لا يلتفت إلى سلعة كهذه, فاعلم أنك في بلد الهرم. ذلك ما حرص نظام ما بعد الثالث من يوليو أن يبيعه للناس، منذ أول لحظاته حين أعلن أن مصر “أد الدنيا وهتبقى أد الدنيا”، فاعتنق ذلك فريق من الناس، بغية معايشة الوهم الذي قُدم إليهم، فأغلقوا من دون الفكر فيه عقولَهم، وأسلموا له أنفسهم، ونافحوا عنه بكل ما يملكون.

على الرغم من أن لحظة واحدة من لحظات إعمال العقل، قد تفند المزاعم المؤدية إلى ذلك الوهم المكذوب؛ إذن فلا داعي لاستعمال العقل طالما أنه سيفسد لحظة معايشة الوهم التي يحياها هولاء، ومن ثم لم يكن مُستغربًا أن تتقبل هذه الشريحة من المجتمع، الإعلان عن استخدام جهاز الكفتة لعلاج الإيدز والالتهاب الكبدي الوبائي بالقبول بل والثناء عليه والمديح له.

ثم تبين بعد ذلك أنها كذبة كبيرة، لم يستطع من روجوها أن يخفوا حقيقتها. وتتوالى الأوهام، وكأن القصد منها إلهاء الشعب، فيتم الإعلان عن بناء مليون وحدة سكنية خلال عام. ولم تكد تمر الأيام حتى أعلنت الشركة المتعاقدة فشلها في إنفاذ مشروع بهذا الحجم، ثم الإعلان عن استزراع مليون فدان، ثم لا تجد لذلك أثرًا في الواقع، ثم يكون الإعلان عن قناة سويس جديدة، يفتح فيها المزاد لمن يريد أن يستثمر ماله، بشراء شهادات تعطي أرباحًا يسيل لها لعاب الجميع، فيجمع لها من أموال المساهمين قرابة الستين مليار جنيه في أيام قليلة؛ ليُلزم ذلك النظام الحاكم بإعطاء أرباح لا نعرف مصدرها، ولا نعلم هل ستستمر أم لا، حيث أن المشروع لازال قيد التنفيذ.

وقد تعثرت فيه أعمال الحفر على الناشف لتتضاعف التكلفة وتطول مدة الحفر, ولا نعرف متى سيظهر المشروع إلى النور ليبدأ في جني الأرباح المزعومة، مما جعل كثيرين يشككون في جدواه، ويَعُدونه فنكوشًا من فناكيش النظام العسكري. وهكذا دواليك تُقدم الأوهام ولا نتيجة تحققها في أرض الواقع. حتى حان موعد المؤتمر الاقتصادي، والذي أُعلن فيه عن إنشاء عاصمة إدارية جديدة، مع فاصل من الإبهار الذي يُغشي عيونًا قد أصابها العمى، فلم تدرك بعد حقيقة الأمر، فهلل أصحابها مع المهللين، دون إدراك أو وعي لأبعاد الأوهام المرسومة في سراب الإفك الظاهر للعيان.

لقد استحقت مصر لقب أم الدنيا, لما حفلت به من آثار وعمران سبقت به العالم أجمع، حتى تغنى الشعراء بأرض الهرم، وهو الذي مكث المصريون في بنائه عشرين عامًا، بينما نسمع عن عاصمة جديدة على مساحة سبعمائة كيلومتر مربع غير معروفة الاسم أو محددة المكان، بها مليون ومائة ألف وحدة سكنية, يَدّعي المعلنون عنها أنها ستبنى في عشر سنوات. ذكرني ذلك بجحا عندما راهن على تعليم حماره الكلام بعد عشر سنوات، فلما سُئل عن إمكانية ذلك، قال بعد عشر سنوات إما أن يموت الحمار أو يموت من أراهنه أو أموت أنا

. لم يكتفِ بائعو الوهم بذلك، بل أعلنوا أن تكلفة إنشائها تبلغ 610 مليار جنيه، وكأن خزائن الدولة تفيض بالأموال، وكأن شعبنا يسبح في النعيم والرخاء، ولا ينقصنا غير بناء عاصمة جديدة. ونحن الذين نعيش مشاكل اقتصادية طاحنة، ألقت بظلالها على المجتمع كافة، ولا تجد لها حلولاً على أرض الواقع، يذكرني ذلك بملكة فرنسا، عندما قالوا لها إن الشعب لا يجد الخبز، قالت: فليأكل البسكويت، فهل تجد خيالاً لا قرار له أفضل من هذا؟!

انتظر الواهمون المؤتمر من أجل تحقيق دعم مالي، يقيم أود الشعب المصري ويوفر السلع الأساسية التي أصبحت آمالاً يبحث عنها المصريون, وانهالت عليهم الأكاذيب الإعلامية والرسمية، بأرقام تضلل أصحابها، ولا تحقق أهدافها، فمتى يستيقظ هؤلاء؟ أبعد خراب مالطة كما يقولون! أم أن إعمال العقل أصبح ضرورة حتمية في هذه اللحظة الفارقة من عمر الوطن.

مصر تستيقظ!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد