6 أعوام مضت على اندلاع الشرارة الأولى لثورات الربيع العربي، تباينت خلالها مواقف الطغاة الذين قام شعوبهم بالانتفاض ضدهم، أحدهم قُتل قتلة الجرذان، والآخر تنحى وسُجن ثم أطلق سراحه مؤخرًا، وآخر ذهب ولم يعد، وعتيدهم ما يزال يسفك الدم ويومه –بإذن الله– قريب.

لكن، أن ينتفض الناس ضدك فتجابههم بالقتل، والسفك، والجوع، والإذلال، فيصوبون أسلحتهم تجاهك، ثم يطالك صاروخ حتى مستقر صلاتك، لا تموت، بل تذهب في رحلة علاج يظن العالم أجمع أنك لن تعود منها، ثم ترجع أقوى مما كنت، وتنافس الجميع على السيطرة، فكل هذا يوحي بأنك إما خلقٌ آخر من الديكتاتوريين، أو أنك «عليّ عبد الله صالح».

لكن الأكثر عجبًا، وسلبًا للعقل، هو أن تحدث شعبك بعد إذ جوعته وفرقته وقتلته وألجأته، ذارفًا دموع التماسيح، مطالبًا إياهم بالتحلي بالحكمة، وبالمصالحة! لا يصح هنا سوى مثل مصري يقول: «اللي عنده دم.. أحسن من اللي عنده عِزبة».

علي عبد الله صالح بدعوته تلك، يسلط الضوء على نوع آخر من الكائنات الحية، ويفتح الباب لدراسات نفسية وإنسانية واجتماعية متعددة، حول كيف يمكن أن يصل إنسان لهذا القدر من البرود.

لا يمكن اعتبار الدعوة الأخيرة من الرئيس اليمني السابق «علي عبدالله صالح» لجميع اليمنيين، إلى «مصالحة وطنية شاملة» إلا بما يشبه «عظة الشيطان»، فهو الرجل الذي أغرق البلاد في كل هذه الأنهار من الدماء، والسبب الأول للالتفاف على ثورة الشباب اليمنية، التي طالبت بتنحيه.

لا تستثني أحدًا

ودعا صالح إلى مصالحة وطنية شاملة في البلاد «لا تستثني أحدًا»، وذلك بعد يومين من تحريضه ضد حزب «التجمع اليمني للإصلاح» ذي الهوية الإسلامية.

جاء ذلك في بيان نشره عبر صفحته الرسمية على موقع «فيسبوك»، للتعقيب على خطاب له دعا فيه أنصاره لمد جبهات القتال على الشريط الحدودي مع السعودية بالمقاتلين، وحرّض ضد حزب «التجمع اليمني للإصلاح».

وقال صالح: «كنت أتمنى ألّا أضطر إلى تبيين البيّن وتوضيح الواضح، لولا إشفاقي على أولئك الذين أجهدوا أنفسهم بالتفسير الخاطئ والتأويل غير المسؤول لما تضمنته كلمتي الأخيرة التي ألقيتها في اللقاء التنظيمي التشاوري لقيادات المؤتمر الشعبي العام»، بحسب وكالة الأناضول.

وأضاف: «ما يؤسف له أن ينبري البعض في تفسيراتهم وتحليلاتهم بالقول إن كلمتي كانت بمثابة دعوة إلى الفتنة، وإلى حرب أهلية، متناسين أنني من الرافضين لتلك الدعوات الهدّامة».

وأفاد صالح: «أدعو دائمًا ومنذ فترة طويلة وما زلت، إلى إجراء مصالحة وطنية شاملة لا تستثني أحدًا، وإلى توحيد الصفوف والجهود الوطنية لمواجهه كل التحديات، والتصدّي للأخطار التي تحدق بالوطن».

ودعا صالح، أعضاء حزب التجمُّع، أن «يقفوا مع الوطن، وأن يدينوا ما وصفه العدوان (في إشارة التحالف العربي)، وأن يتحلّوا بالشجاعة في التعبير عن قناعتهم ومواقفهم الرافضة لذلك، وأن يكونوا على قناعة كاملة وراسخة بأنهم ليسوا هم المستهدفون».

وحث صالح أنصاره من رجال القبائل على «تصفية» قراهم ومناطقهم من أعضاء حزب الإصلاح، وعدم المجاملة، واعتقال أي شخص منهم، إلا إذا «أعلن التوبة أمام القبيلة»، حسب تعبيره.

دموع التماسيح

لكننا لا نستطيع أن نعزل تلك النصائح الشبيهة بـ«دموع التماسيح» عن الواقع اليمني منذ كان علي عبد الله صالح في سدة الحكم قبل الثورة، التي قامت ضد ممارساته وانتهاكاته الحقوقية، والدماء التي سالت في عهده.

علي عبد الله صالح نفسه مسؤول عن الدماء التي أسيلت في الصراع بين اليمن الشمالي والجنوبي، ومسؤول عما كان يحدث في السجون اليمنية من انتهاكات، ومسؤول عن التعامل القمعي مع الثوار في أعقاب ثورة الشباب اليمنية التي اندلعت في الحادي عشر من فبراير 2011، تزامنًا مع ثورات الربيع العربي، وتحديدًا تنحي الرئيس المصري الأسبق محمد حسني مبارك.

لكن كل هذا كان يمكن أن يغفره له التاريخ، إلا أن «صالح» أبى إلا أن يشعل الأجواء.

تاريخ أسود

ففي أوائل يونيو 2011، تعرض صالح لمحاولة اغتيال فاشلة أثناء صلاة الجمعة، استهدف فيها بصاروخ، تضاربت بعدها الأقوال حول وفاته، قبل أن يظهر من جديد بعد رحلة علاج في السعودية، عاد صالح بعدها إلى اليمن، وتحديدًا في 23 سبتمبر 2011، كأنه يرفض متطلبات الشعب اليمني، وكأنه يضرب بعرض الحائط كل ما حدث في البلاد، وهذه المرة كانت عودته أقوى بكثير!

الفترة التي قضاها صالح في العلاج بالسعودية، وقع خلالها مرسومًا يقضي بتكليف نائبه «عبد ربه منصور هادي» بالتوصل إلى اتفاق لنقل السلطة، إلا أن عودته فاقمت الأوضاع من جديد بين مؤيد ومعارض، وبات شبح الحرب الأهلية يطل برأسه كل يوم في كافة الأزقة اليمنية.

صالح أكد أن فترته الرئاسية لم تنته بعد، ولذلك فله الحق الدستوري في مواصلة مهامه رئيسًا للجمهورية، تعنت واجهه اليمنيون بالتظاهر والاعتصام، وبذل الغالي والنفيس من دمائهم وأرواحهم.

في الخامس والعشرين من فبراير لعام 2012، انتهت فترة ولاية علي عبد الله صالح رسميًّا، لكن الأخير أبى أن يخرج من سدة الحكم دون أن يشترط على الجميع حصانة من الملاحقة القضائية على ما اقترفت يداه طيلة فترة حكمه، وقد كان له ما أراد.

رؤوس الثعابين

هل استسلم «صالح» بعد ذلك، وجلس في بيته يراقب مآلات البلاد التي دفعها إلى حافة الهاوية؟

بالتأكيد لا، فـ«صالح» الذي صرح قبل ذلك بأن «حكم اليمن.. كالمشي على رؤوس الثعابين» وهي كلمته الشهيرة، ووجهة نظره حول آلية الحكم في البلاد التي مرت عليها مختلف الحضارات، يأبى أن يكون كمثله من الرؤساء الذين استسلموا لثورات الربيع العربي، حتى وإن كان له من التأمين القضائي ما أراد، وأكثر.

صالح ظهر بعد انتهاء فترة حكمه، في رداء المصلح السياسي، الذي يستطيع لم شمل الفرقاء -الذين صنعهم هو- في فترات حكمه، ولكن الواقع يقول إن له قواتًا وأنصارًا ومحبين، وطبيعة قبلية تشتهر بها البلاد، تعمل بكل الطرق لـ«إعادته إلى الحكم»!

ويرى العديد من المتابعين، أن بقاء صالح في المشهد السياسي اليمني، هو أس المشاكل والأزمات، فمن ناحية، ما يزال الرجل يملك نفوذًا في الجيش اليمني، ومن ناحية أخرى، يلعب الرجل دور الحليف الوفي للحوثيين؛ لأن الهدف المشترك يؤدي إلى المصير المشترك.

ومن جهة أخرى، ما يزال الرجل يحظى بالسلطة المالية على عدد من القبائل التي تلعب دورًا فارقًا في المشهد على الأرض، كل هذا يجعله الرجل الأقوى في البلاد، وإن لم يكن الرئيس الفعلي لها.

وبعد كل هذا، يتحدث «صالح» عن «مصالحة» فهل هناك –يا أولي الألباب– من مصدّق؟!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد