مما قرأنا في كتب السيرة وسمعنا بعض الدعاة والمشايخ وأهل العلم، وما زلنا نقرأ ونسمع بعضًا منهم أن ثمود قومَ نبي الله صالح –عليه السلام – بَلَغَ بهم العنادُ والاستكبارُ في قبول الحق أن طلبوا من سيدنا صالح معجزةً تَدُلُّ على صِدقِه، وَسَأَلُوهُ أَنْ يُخْرِجَ لَهُمْ نَاقَةً كَبِيرَةً مِنْ صَخْرَةٍ مُعَيَّنَةٍ، فَأَخَذَ مَوَاثِيقَهُمْ أَنَّهُ إِنْ فَعَلَ ذَلِكَ آمَنُوا، فَقَبِلُوا، فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ، وَدَعَا اللَّهَ فَتَمَخَّضَتْ تِلْكَ الصَّخْرَةُ أمامَ الجَمِّ الغَفيرِ مِنَ المشركين والكفرة، كَمَا تَتَمَخَّضُ الْحَامِلُ، ثُمَّ انْفَرَجَتْ وَخَرَجَتِ النَّاقَةُ مِنْ وَسَطِهَا، ثم ولدت فصيلها، فآمن مَن آمَنَ، وَكَفَرَ مَنْ كَفَرَ، إلا أنَّ أكثرَهُم لَجُّوا في طغيانهم يَعْمَهون وظلوا في غَيِّـهِمْ يَكفرون، وَعَقَرُوا الناقةَ فأهلكهم الله جميعًا، ونجَّى صالحًا ومن آمن معه.

وذكر بعضهم بأن فصيلها بعد أن عقروا أمها خرج هاربًا إلى الصخرة نفسها، فَرَغَا ثلاث مراتٍ، وانفجرتْ الصخرة فدخل فيها الفصيل، ويبقى فيها إلى آخر الزمان، فيخرج منها، ويكلم الناس، وهو المقصود بالدابة الواردة في قوله تعالى في (سورة النمل:82) (وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآيَاتِنَا لَا يُوقِنُونَ).

وشرع الناس يُلَفِّقُونَ حَولَهُ أساطيرَ، وَيَقُولُونَ بأنَّهم يَسمعون صوتَ الفَصيل يَصْدُرُ مِن جَوفِ جَبَلِ الحوار كلَّ يَومِ جمعة، وجبل الحوار –كما يقولون-، هو الجبل الذي هرب إليه فصيل الناقة بعد مقتل أمه، ولم يخرج منه إلى اليوم، بل يخرج منه إلَا في آخر الزمان، والإبل إذا مرت به يوم الجمعة تجفل ذعرًا وخوفًا.

وبدأ بعض هواة الإعجاز العلمي يظهررون صور صخور اعتمادًا على صور (google earth) ويقولون بأنهم عثروا على الصخرة وهي صخرة اسمها الكاتبة، وإذا ما تفحصنا شكل الصخرة في الصورة التالية نجد أنها على شكل كف اليد، حيث يخرج من الصخرة ما يشبه أصابع اليد، وتوجد فوهة بركانية ذات لون أسود على قمة الصخرة، وهي على شكل ناقة في حالة الجلوس.

ولي على هذه القصة جملة ملحوظات:

الأولى: إن قصة طَلَبِ الكفارِ مِنْ نبي الله صالح عليه السلام معجزةَ إخراجِ ناقةٍ عشراء من الصخرة ليست صحيحةً، ولا تمُتُّ إلى الحقيقة بصلةٍ، ولم تَرِدْ لا في القرآن الكريم، ولا في أحاديث المصطفى عليه الصلاة والسلام-.

الثانية: لم يرد في القرآن ولا في الأحاديث الصحيحة أن الناقة كانت حاملا وولدت، ثم إن فصيلها عاد إلى الصخرة بعد مقتل أمها، وأنه سيخرج إلى الناس في آخر الزمن يكلمهم، كل ذلك لا أصل له.

الثالثة: إن بعضَ العلماء أنكر القصة زاعمًا بأنها من الإسرائيليات، ونحن معه في إنكارها، بيدَ أنها من وضع الوضاعين والقُصَّاصِ الكَذَبَةِ، وليست من الإسرائيليات، لأن الكتاب المقدس لليهود والنصارى لم يتطرق إلى نبي الله صالح ولا إلى معجزته إطلاقًا، لأن نبي الله صالح من الأنبياء العرب ولا علاقة له ببني إسرائيل.

الرابعة: إنَّ الله تعالى أخبر بأن الناقة كانت لهم آية وفتنة، ولم يذكر لنا وجه التفصيل فيها، وما ذكره المفسرون فهو غير مذكور في القرآن ولم يخبرنا به النبي عليه الصلاة والسلام، فينبغي ألا نتجاوز حدود القرآن والأخبار النبوية الصحيحة.

ونقل الرازي عن العلماء وجوها في كون الناقة معجزة، ثم عقب عليها بقوله:

«وَاعْلَمْ أَنَّ الْقُرْآنَ قَدْ دَلَّ عَلَى أَنَّ فِيهَا آيَةً، فَأَمَّا ذِكْرُ أَنَّهَا كَانَتْ آيَةً مِنْ أَيِّ الْوُجُوهِ فَهُوَ غَيْرُ مَذْكُورٍ وَالْعِلْمُ حَاصِلٌ بِأَنَّهَا كَانَتْ مُعْجِزَةً مِنْ وَجْهٍ مَا لَا مَحَالَةَ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.»(1)

وقال في موضع آخر: «َكُلٌّ مِنْ هَذِهِ الْوُجُوهِ مُعْجِزٌ قَوِيٌّ وَلَيْسَ فِي الْقُرْآنِ، إِلَّا أَنَّ تِلْكَ النَّاقَةَ كَانَتْ آيَةً وَمُعْجِزَةً، فَأَمَّا بَيَانُ أَنَّهَا كَانَتْ مُعْجِزَةً مِنْ أَيِّ الْوُجُوهِ فَلَيْسَ فِيهِ بَيَانُهُ.»(2)

الخامسة: اعترض بعض المشككين في القرآن الكريم وقالوا: كيف يعاقب الله تعالى قومًا ويستأصلهم بسبب قتل ناقة؟

والذي يمعن النظر في القرآن الكريم يجد أن استئصال الله للقوم لم يكُ بسبب عقرهم للناقة فقط، بل بسبب أنواع من الذنوب، منها:

النوع الأول: كفر النعم، والاستكبار على الناس واستضعافهم والبغي عليهم بغير حق، والإفساد في الأرض، والإسراف وإطاعة المسرفين، وكل ذلك منصوص عليه في القرآن الكريم:

إن اللَه -تعالى- أغدق عليهم من نعمه ظاهرةً وباطنةً، ورَزَقَهُمْ الأمنَ والجناتِ والزروعَ والثمارَ والعُيون، وكانوا يَنحِتُونَ مِنَ الجبال بيوتًا فارهين، فأمرهم نبيُّ اللهِ صالح -عليه السلام- بأن يذكروا آلاءَ الله ونعمَهُ ويشكروا ولا يكفروا، وأمرهم أن يستخدموها في العمل الصالح ووجوه الخير، ولا يطيعوا أمر المسرفين، إلا أنهم لم يسمعوا كلامَ النَّاصِحِ الأميـن، وكذَّبُوه وكذَّبُوا الـمُرسلين، وَكَفَرُوا بآلاء الله الكريم ونِعَمِهِ، واستكبروا بها على المستضعفين، واستخدموها في ظلم الناس والبغي عليهم بغير حق، وأطاعوا أمر المسرفين، وأفسدوا في الأرض، حتى أضحى الفساد دينَهم وديدَنَهم فكانوا يفسدون في الأرض ولا يصلحون.

قال تعالى في سورة الشعراء (142-153): (كَذَّبَتْ ثَمُودُ الْمُرْسَلِينَ* إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ صَالِحٌ أَلَا تَتَّقُونَ * إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ * فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ* وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ ۖ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَىٰ رَبِّ الْعَالَمِينَ * أَتُتْرَكُونَ فِي مَا هَاهُنَا آمِنِينَ * فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ* وَزُرُوعٍ وَنَخْلٍ طَلْعُهَا هَضِيمٌ * وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا فَارِهِينَ * فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ* وَلَا تُطِيعُوا أَمْرَ الْمُسْرِفِينَ* الَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ * قَالُوا إِنَّمَا أَنتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ).

النوع الثاني: تكذيب المرسلين، والاستهزاء بهم، واتهامهم، والاتفاق والتآزر على قتل نبي الله صالح وأهلِه والمؤمنين به جميعًا.

حيث تعاهدوا فيما بينهم، وأكدوا ما تعاهدوا عليه بالأيمان المغلظة، على أن يباغتوا نبيهم وأهله ليلا، فيقتلوهم جميعًا، ثم ليقولن بعد جريمتهم الشنعاء لأقارب صالح- عليه السلام-: ما حضرنا هلاك أهله وهلاك صالح معهم، ولا علم عندنا بما حل بهم وبه من قتل، وإنا لصادقون في كل ما قلناه.

وقد صوَّر لنا القرآن الكريم كذلك في هاته الآيات الجليلة:

(وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَىٰ ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ فَإِذَا هُمْ فَرِيقَانِ يَخْتَصِمُونَ * قَالَ يَا قَوْمِ لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ لَوْلَا تَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ * قَالُوا اطَّيَّرْنَا بِكَ وَبِمَن مَّعَكَ ۚ قَالَ طَائِرُكُمْ عِندَ اللَّهِ ۖ بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ * وَكَانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ * قَالُوا تَقَاسَمُوا بِاللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ مَا شَهِدْنَا مَهْلِكَ أَهْلِهِ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ* وَمَكَرُوا مَكْرًا وَمَكَرْنَا مَكْرًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ * فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ* فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً بِمَا ظَلَمُوا ۗ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَةً لِّقَوْمٍ يَعْلَمُونَ * وَأَنجَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ ((سورة النمل: 45-53)

النوع الثالث: قتلهم الناقة التي نُهُوا عن مَسِّها بسوء:

إنَّ الناقةَ كانت فتنة واختبارًا للقوم، وجعل الله –تعالى- قَتْلَهَا عَلامةً على إهلاكهم، وآيةً على فواتِ فرصةِ النجاة من عذابِ الله –عزّ وجلَّ-، ولم يكن قتلُهُم للناقة الذنبَ الوحيدَ الذي ارتكبوه حتى يُعَذِّبَهُمُ اللهُ -تعالى- بسببه ويهلكهم بالصيحة، بل كان قتلُها آخِرَ ذنبٍ لهم مسبوقًا بجملة من الذنوب والكبائر -كما بيَّنَّا فيما سبق- .


(1) مفاتيح الغيب، (التفسير الكبير)، أبو عبد الله محمد بن عمر فخر الدين الرازي (المتوفى: 606هـ)، دار إحياء التراث العربي – بيروت، الطبعة الثالثة – 1420 هـ: 14/ 305.

(2) التفسير الكبير للرازي: 18/ 369.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد