بدء يا سيدي أود أن أطمئنك بأنني على العهد بألا أخرج عن مبدأ الذوق الراقي في اختياري للفنون، وأنني أرفض الاستماع لأي من هذه التلوثات المسماة زورًا بالفن الشعبي، وأتمنى أن تكون أيضًا كذلك. وإن أخطأنا (أنا أو أنت) وخرجنا عن مضمار المبادئ النقي العطر، فلنا أن نعود إليه ولكن بجدية وإصرار، ونحن نعلم أننا نحن الفائزون بالأخير.

 
وثانيًا فثمة رابط بين المعتصَر أي الشعب بالمستغِل بشكل تجاري لهذا الجرح وهم “اللبانين” (أصحاب الأغنية الشهيرة المتداولة بنفس الاسم) وغيرهم من التجار المستفيدين من الشعب الذي يئن من الهموم، كيف ذلك؟

 
ثمة رابط قوي بين هموم المواطن وبين انتشار الأغاني الشعبية ونجاحها، حيث أن الإنسان بطبيعة الحال يذهب بقلبه وكل جوارحه جهة من يذكر أوجاعه بأي شكل سواء بالكلام أو الغناء أو حتى الموسيقى، والظاهر في هذه الأغنيات الشعبية أنها تتحدث عن مفاهيم هي الأكثر رواجًا في المجتمع المصري بطبيعة قصوره الأخلاقي أو سيادة الفقر والعوز فيه، فيصدق عليها المواطن عند سماعها ويتذكر حاله البائس.

 

 
فعلى سبيل المثال استغل كاتب أولاد سليم اللبانين الشكوى من الغلاء في مقدمة المهرجان (لن نسميها أغنية) عندما قال “دنيا مواني على الملأ .. قلوبنا فيها بتنحرق .. غلبان وعايش في الغلا” و”الناس تعبانة قرفانة من العيشة طهقانة” و”دنيا مواني .. وناس بتعاني .. باين في وشوشهم القلق”. وعندما تتقهقر الأخلاق وينحصر الدين في صلاة الجمعة وأول عشرة أيام من شهر رمضان، فإن قانون الغابة هو الذي يسود، وتصبح الفَتوَنة أو البَلطَجة هي السمة الأكثر قيمة في الغابة البشرية، لذلك تجد المهرجان يعتمد كثيرًا على تلك الأخلاق البهيمية، فمثلًا يقول “هتعورني أعورك هنبوظلك منظرك” و”جايب ورا تصبح مَرا! ملكش قيمة وسط البشرية”. كما يركز أيضًا على الخيانة وغدر الصديق مثل “مفيش صاحب بيتصاحب مفيش راجل بقى راجل” و”لما اللي منك يجرحك .. طب قولي مين هيفرحك”.

 

 
على كل حال لا أظن أننا بحاجة إلى تحليل كلمات المهرجان كاملة لأنها بالفعل “مُحللة” وميتة، فقط ما أريد التنوية إليه أولًا أن هذه الأخلاقيات وإن كانت موجودة وسائدة في المجتمع، إلا أن طريقة معالجة الأغنيات الشعبية (وهذا المهرجان بشكل خاص) لها خاطئة تمامًا، فهي تقرها فقط، بل وتؤكدها دون أن تعطي حلًا واحدًا لتفاديها أو محوها، وبالتالي فهي تبث روح اليأس في المجتمع والشك في كل أفراده، لأن “مفيش راجل بقى راجل” و”مفيش صاحب يتصاحب” وبالتالي “مفيش ثقة في أي حد”.

 

 

 
كما أن مسألة استعراض الرجولة والقوة قد يرضى الناس التغني بها، ولكن الأخلاق القويمة لا تدعو إلى ذلك، نعم عليك أن تكون شجاعًا، لكن عليك أيضًا أن تكون صبورًا حليمًا متسامحًا قبل استعمال القوة، ولا تنس أن كتم الغضب والعفو عن الناس من صفات المتقين في القرآن الكريم “وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِين”، وإن كانت حجة البعض أن هذا العصر لا تتلاءم معه هذه الأخلاق، فما بالك إن كان نبي الإسلام قد تعامل بها مع الكفار والمشركين الذين آذوه شر إيذاء، فكيف بك لا تطبقها مع المسلمين (أو المؤمنين بالله عمومًا) ولو على سبيل التجربة؟!

 

 
وأخيرًا أختم بما قد بدأت به وهو مسألة المبادئ، حيث أن الثبات على المبدأ سمة للرجولة الحقيقية والشخصية القوية الثابتة، وكما ترى فإن هذه الأغنيات مهما أخذت من شهرتها فإنها تموت وتنسى (بدءًا من “أبطل السجاير” حتى “مش هروح” وقريبًا “أولاد سليم” وما بعدها)، فإن أخذت قرارًا بمقاطعتها لمساوئها الأخلاقية والتربوية والذوقية، فإنك قد ربحت ثباتك على المبدأ، وما تبعه من راحة نفسية وقوة في تحمل المصائب، وإلا كنت متلونًا باللون الذي يفرضه عليك المجتمع سيء الذوق والاختيار من أخلاقيات اللبانين أو الجزارين وما خفي كان أعظم.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد