كم من شخص يتعذب بالأسر داخل قيود ذاته، وكم من حر يصنع من قيوده أنشودة رائعة للحياة، أنت حر في داخلك، فقط تعلم كيف تحافظ على حريتك، والحرية كلمة فلتكن كلمة صادقة شجاعة.

شيخنا، هذه كانت وصيتك لنا، ونحسب أننا عليها نسير، والآن تلك بضاعتكم ردت إليكم، فأنت أحق بها منا، وإن كان من الجائز أن يتكلم التلميذ ويستمع المعلم، فأعلم أنك حر في سجنك، وأنك تصنع من قيودك أنشودة ليست للحياة وفقط، بل وللموت، فالموت يصبح أجمل أنشودة إن كان في سبيل الله.

تصلنا أخبار وتسريبات مفزعة حول نية الإعدام ضد مشايخ السعودية وعلى رأسهم والدي الشيخ سلمان العودة، ونحن نؤكد أنه ليس لدينا أي علم مطلقًا.. هكذا غرد محمد العودة نجل الشيخ، إذا النية حاضرة لدى المملكة، وليس هناك من يمنع حدوث ذلك خوفًا من الله أو حتى حياءً، فمن يقتل بالمنشار سيجد القتل شنقًا شيئًا بسيطًا، ومن يقتل خارج الديار، من السهل عليه أن يقتل في مملكته.

سمعت ذات مرة عن قصة أمير مسلم، احتل العدو بلاده ووقع في الأسر، وفي أحد الأيام أحضروا له أواني الطعام، فلما فتحها وجد رؤوس أبنائه الثلاثة، فقال هكذا يموت أبناء الملوك، فإن كان هكذا يموت أبناء الملوك فكيف يموت الدعاة إلى الله في زمن الظلم والفساد. ليس أقل من موت الملوك وأبناء الملوك.

قبل بداية شهر رمضان بيومين حدثني صديق بحزن قائلا: منعوا الشيخ أحمد سعيد من الإمامة في مسجد الاستقامة هذا العام، وأنه كان يصلي التروايح خلفه كل عام، وأمضى يكلمني عن عذوبة صوته، ودعائه على الظالمين، وكيف أنه ينتظره كل عام حتى يشعر بروحانيات الشهر الكريم، ولكن ردي عليه صدمه، فقد أخبرته أنه لا غرابة في الأمر وهذا شيء جيد على كل حال، تبدل حزنه لغضب، فعجلته بالتفسير، الطبيعي أن يمنع الشيخ لا أن يقرب، وهذا يطمئننا عليه بعض الشيء ونأمن عليه من الفتن القائمة في بلادنا.

لا أخفي عليك يا سيدي أني سعدت بخبر اعتقالك، وليست تلك السعادة المعروفة ولكن هي أسمى وأرقى من التي نعرفها، سعادة الأب عندما يذهب ابنه للمدرسة أول مرة، ولا يعود له سريعًا بعد دقائق، بل يحضر دروسه كاملة، يتمنى الأب أن يبقى ابنه في حضنه طوال العمر، ولكن يتركه بعيدًا لأنه يعلم أنه في هذا صلاحه، وأنه لم يخلق كي يبقى بجانبه أبدًا، بل يخوض غمار الحياة ويواجه أحوالها ومصاعبها.

نعم أرجو لك السلامة، ولكن أي سلامة تلك التي تليق بك؟ هل هي السلامة التي نخدع بها جميعًا، أن تبقى وسط أبنائك؟ تلاعب الصغير وتنصح الكبير؟ أي سلامة تلك؟ أن أشاهدك كل صباح تزين شاشات التلفاز تخطب فينا عما نعلمه ولا ننتظره؟ أن أراك تجلس جانب الأمراء؟ تمدحهم وتثني عليهم كذباً؟ ولا تغضبهم بالحق والحقيقة؟ لا يا سيدي ليست تلك السلامة التي أرجوها لك، ولا هذه التي تليق بك، بل أرجو لك «إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيم» هذا ما أرجوه لك وهذا ما تستحق.

«فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي» سيدي نلقيك في اليم ولا نخاف عليك الأهوال ولن نحزن عليك، بل نسعد لك، كما سعدنا بابن تيمية وأحمد بن حنبل وغيرهم، نسعد بالذين أكملت حكايتهم على خير ونحزن على من قال لنا يومًا لا تحزن، أعلم أن الأمواج هادرة والرياح عاصفة وسفينة نفسك تقاتل وحدها، وربما تحتاح الذهاب إلى الشاطئ كي تستريح ولكن سيدي ليس لهذا صنعت السفن.

من قال إن السجن يمنع العصافير أن تغرد؟ ومن قال إن الموت يجعل الحكايات لا تستمر؟ بل ربما الموت يجعلها تكتمل كما يكتمل البدر ليلة الرابع عشر، الموت يجعل الحكاية جميلة إن كان في سبيل الله، سيدي سلمان العودة.. أكمل الحكاية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد