«كلامُك سيكونُ جزءًا من مشروعي».. كلمات قالَها الأميرُ سلمانُ للداعيةِ سلمان فلما صار الأميرُ ملكًا زُجَّ الداعيةُ في السجن!
يقول النّاس: إن النظام السعودي يسعى لإعدامه لأجل تغريدة تعاطف فيها مع قطر!
فردّت السعودية بـِ 37 تُهمة! والمُطالبة بالإعدام، وتعاطف معه شقيقه وقال: مع الأسف اعتقلوه! فسجنوه هو الآخر، تعاطف معه ابنه فألغوا منحته الدراسية ومنعوه من تجديد جواز سفره في عالم شعاره من لا يُطبِّلُ لي فهو ضدّي.
يُسجن عالم الدّين الإسلامي السعودي الشيخ سلمان العودة – حفظه الله وفكّ الله أسره بالصحّة والعافية – المُصنّف من بين أكثر مئتي شخصية تأثيرًا في العالم.

سلمان العودة – حفظه الله – لماذا تسجنه السعودية؟

ولد الشيخ سلمان في مدينة بُريدة في منطقة القصيم في السعودية عام 1956 وتلقّى تعليمه في جامعة الإمام محمد بن سعود ومنها حصل على شهادة الدكتوراه في الشريعة الإسلامية.
نشأ الشيخ سلمان العودة في ظروفٍ انفتحت فيها السعودية على الإسلاميين وشهدت المنطقة العربية آنذاك مدًّا قوميًّا، وكان الطاغية – جمال عبد الناصر – عدوّ الإسلام السياسي أبرزَ معالمه!
تأثر الشيخ سلمان العودة بأفكار الوافدين المحسوبين على جماعة الإخوان المسلمين بِحكم فرضهم أفكارهم على قطاع التربية والتعليم آنذاك بدعمٍ من الحكومة السعودية، ولم تكن الظروف الإقليمية والدولية بعيدة عن الشيخ سلمان، فالمدُّ الشيوعي كان يُهدّد أمريكا في المنطقة العربية كان لا بُدّ من مدِّ إسلامي مُضادّ له، ترعاه السعودية طبعًا!

جهادٌ عالمي برعاية أمريكية!

غزا الاتحاد السوفيتي أفغانستان عام 1979 وانطلقت حملات الجهاد العالمي برعاية أمريكية!، لـِطردِ الغزاة الكافرين!
في إيران ستنتصر ما يُسمى «ثورة إسلامية شيعية» لـتقابلها في السعودية حاجة إلى تيّارات إسلامية سُنيّة، تُعزز مشروعيتها السياسية، وفي مثل هذه الظروف صعد نجم الشيخ سلمان العودة وصعد معه تيّار غيّر وجه السعودية تمامًا.

تيّار الصحوة

تيار فكري إصلاحي سعودي ظهر أواخر الثمانينيات وسحب البساط من تحت أقدام المؤسسة التقليدية وقدم خطابا مختلفًا تمامًا، من أبرز رموزه سلمان العودة وعوض القرني، عارض وجود القوات الأجنبية في السعودية، وتصادم مع السلطة السياسية والدينية قبل أن يراجع أفكاره.
خطابٌ حماسي ويستمع له الشارع وتتبنّاه السلطة شخصيًا بقيادة الملك فهد بن عبد العزيز آل سعود
حمل هذا التيّار رموزًا أحبّها الشارع العربي المسلم لمُناصرتها لقضايا الشعوب المظلومة، وهم اليوم من أبرز خصوم ولي العهد محمد بن سلمان، وهم سفر الحوالي وسلمان العودة وعوض القرني ومحسن العواجي، ومحمد العريفي وجميعهم الآن معتقلون أو مختفون عن الأنظار.

ما قبل عداء ابن سلمان لهذا التيّار

في أوائل التسعينيات عند انهيار الاتحاد السوفيتي وغزو العراق للكويت واستقدام السعودية للقوات الأمريكية بدأ نجم هذا التيّار الصاعد بالاختفاء شيئًا فشيئًا ولم تكن حاجة السعودية للحليف الديني، الذي يُحارب المجرمين الشيوعيين، وبات المسلمون في هذا التيّار عبئًا محليًّا وصوتًا ثقيًلا على السلطة، فهذا التيّار السياسي بصبغة مسلمة ذو الشعبية الواسعة، دعا الملك فهد لتطبيق إصلاحات سياسية عبر عريضة عُرفت باسم «خطاب المطالب» وهو خطاب وُجِّه إلى فهد بن عبد العزيز آنذاك في 1991، والذي وقع عليه مجموعة من علماء الدين السعوديين بلغ عددهم وطالبوا بإنشاء مجلس للشورى، وتحقيق المساواة بين المواطنين، وعدالة توزيع المال العام، وبناء جيش قوي متكامل، وسياسة خارجية بعيدة عن التحالفات المخالفة للشرع، وكان من أبرز الموقّعين عليها الشيخ سلمان العودة، تمّ رفض هذه العريضة ومُنع الشيخ سلمان العودة وسفر الحوالي – حفظهما الله – من الخُطب والسفر خارج البلاد.

ورفض هذا التيّار استقدام القوات الأمريكية للخليج وانتقد سياسات الحكومة،وعندها قام الشيخ سلمان العودة بتسجيل شريط له بعنوان «أسباب سقوط الدول» هاجم فيه فكرة الاستعانة بغير المسلمين.

الصحوة في قبضة السطة

اندلعت مُظاهرات واشتباكات مع قوى الأمن السعودية وردّت تلك القوى على الصحوة بعُنف وسجنت أبرز مؤسسي هذا التيّار والتي كان للشيخ سلمان العودة من أبرز المسجونين ما بين عام 1994 إلى عام 1999.

إلى الحُريّة

خرج الشيخ سلمان العودة ومن معه من السجون وبدأت تلك الأفكار الثورية بالتغيير وبدأ ظهورهم على قنوات كانوا ينتقدونها بالأمس،وظهر في برنامج رمضاني يحمل اسم – حجر الزاوية – على قناة MBC،لقد تغيّر تيّار الصحوة بأفكاره الثورية، هذا ما بدا للجميع، لكنّ هناك من كان مهتمًا بالعودة ورفاقه إلى الحدّ الذي دفعه لنشر كتاب بعنوان «الصحوة الإسلامية في السعودية » ولاتكاد تمرّ صفحتان من صفحات هذا الكتاب إلا ويُتم ذكر اسم الشيخ «سلمان العودة » هذا الشخص شارك في عملية اغتيال الصحفي – جمال خاشقجي – رحمه الله -، وكان أهم مسؤول في الديوان السعودي قبل عزله من منصبه بعد حادثة اغتيال جمال، وهو الذراع الذي تختبئ وراءه وقائد ما يُسمّى الذباب الإلكتروني واسمه «سعود القحطاني».

حكم الملك عبد الله بن عبد العزيز

خلال فترة الحكم للملك الراحل عبد الله بن عبد العزيز لم تر السعودية في الشيخ سلمان العودة ورفاقه ما يستوجب المواجهة، فهم أناس تحولوا من خطاب العداء للسلطة إلى التفاهم والحوار معها.

الربيع العربي وتيار الصحوة

حماس الشيخ سلمان العودة بخصوص ثورات الربيع العربي قابله حذر شديد من الحكومة السعودية التي لم تتخذ موقفًا جادًّا بعد من قضية الثورات العربية، حماس الشيخ سلمان العودة وصل به إلى أخطر بكثير مما كان متوقّعًا عند السلطة، وهنا لا يُمكنك التفكير بتعاطف الشيخ سلمان العودة مع رئيس مصر الشرعي، محمد مرسي – رحمه الله -، ورفضه لانقلاب الطاغية المجرم السيسي، المدعوم سعوديًا وإماراتيًا.
كان كتاب الشيخ سلمان، الذي كان ربما الأخطر، وجد طريقه للنور بعنوان أسئلة الثورة عام 2012، هذا الكاتب سيُناقش
  1. شرعية الحاكم وإصلاح السياسة ومشروعية الثورة.
  2. دعوة الأنظمة العربية لتقديم تنازلات جريئة.
  3. منح الحريات العامة وتحقيق المٌشاركات السياسية.
وسيقول فيه بشكل مباشر:
إن التغيير مهما كانت صورته وأدواته مُغامرة تستحقُّ أن تُخاض
وبالرغم من أنّ هذا الكتاب يُعدُّ مرجعًا دينيًا مليئًا بالحكمة إلّا أنّه تمّ منعه من النشر الورقي في السعودية
وفي اليوم التالي قام الشيخ سلمان بتحدّي السلطة ونشر كتابه مجّانًا على شبكة الإنترنت.
لقد مثّلت تحركات الشيخ سلمان ورفاقه صحوةً جديدةً، هي ليست صحوة جهادية ثورية كما في الماضي بل صحوة إصلاحية حضارية، تحمل خطابًا مقبولًا عالميًّا، ومسموعًا محلّيًا، وتصعب على السلطة مواجهته بالخيار الأمني التقليدي، لم يصل إلى حدّ اعتقال الشيخ سلمان العودة ورفاقه.

محمد بن سلمان وولاية العهد

في عام 2017 وصل محمد بن سلمان لولاية العهد ومعه مستشاره في الديوان الملكي سعود القحطاني وغيّر هذا كل المعادلة ولنربط كل مشاكلنا بهذا التيّار ولنرمِ تخلّفنا عليه ولنجعل من رموزه السابقين عبرة للمجتمع،
ليخرج علينا محمد بن سلمان في مقابلة مع قناة CBC الأمريكية مهاجمًا تيّار الصحوة خلال 30 عامًا في المملكة. ومن ثم التحريض على الشيخ العالم سلمان العودة وظروف دولية تتغيّر وثورات الربيع العربي يخفت نجمها كل هذا لم يُغيّر من موقف الشيخ قيد أنملة، إسلام سياسي في تونس وقطر وتركيا، من ألدّ أعداء المملكة، وسعودية تخلع رداءها المُحافظ.

الثقة بالعلماء في المملكة تتزعزع، وهيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المُنكر تتوقّف، وحصار خليجي لجارة مسلمة في رمضان، اسمها قطر، والعالم في الخارج يتباحث صفة القرن المزعومة، وسط كل هذا ظلّ الشيخ سلمان مُتحمّسًا للربيع العربي وداعيًا للحرّية والعدل، لكنّ محمد بن سلمان متحمس لكل شيء، فقد اعتقل رجال أعمال وأمراء وناشطات سعوديات، ومفكّرين، وفُتحت سجونه لكل صوت يمكن أن يُسبب مشكلة، لذلك قام بسجن الشيخ سلمان العودة وعوض القرني وعلي العمري والناشطة لجين الهذلول وغيرهم، لم يكن سجن الشيخ سلمان لأنّه إسلامي أو صحوي أو متطرّف بل لأنّه مثّل ثورة بحدّ ذاته، ثورة الوعي، والثورة على الفساد بإحياء مبدأ الفاروق عمر بن الخطّاب رضي الله عنه: من أين لك هذا؟

رجل وعالم ذو خلفية مسلمة وذو حضور واسعة وشعبية كبيرة ويُحاضر في الإصلاح، وبـمُتابعين يصل عددهم على موقع تويتر وحده إلى 14 مليون متابع تقريبًا ويُغرّد بتأليف القلوب لما فيه خير شعوبهم.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد