أتذكر جيدًا حينما كنا أطفالًا في المرحلة الابتدائية عندما قامت إحدى الطالبات مستغلة لفراغ إحدى الحصص الدراسية لتغني قائلة «البنات البنات ألطف الكائنات» ويردد خلفها جميع الطالبات بالصف. ومثل هذه المواقف كانت لا تمر إلا بوجود مضايقات من الأولاد في الصف نفسه، فقمنا نرد عليهن بأغنية شهيرة في هذه الوقت وهي «البنات البنات صراصير البلاعات»، وفجأة إذ بأمين المخزن في المدرسة يفتح باب الصف ليسود الهدوء ويعود كل طالب إلى مكانه استعدادًا لاستلام التغذية اليومية المقررة لنا كطلاب (كان الأزهر في المرحلة الابتدائية يوزع تغذية يومية على الطلاب).

لم يكترث أمين المخزن للفوضى التي كانت مثارة قبل قليل، وأدى دوره الوظيفي، ووزع المقرر لنا من التغذية حتى وصل للمقاعد المخصصة للطالبات وسأل أول طالبة ما اسمك؟ فأجابت فاطمة. فكان رده: هل تعلمين لماذا اسمك فاطمة؟ أجابت: نعم، اسمي فاطمة على اسم فاطمة الزهراء بنت النبي، صلى الله عليه وسلم.

أثنى عليها ووجه لنا بعض الكلمات قائلًا هل لو كانت البنات فعلًا صراصير البلاعات كان النبي، صلى الله عليه وسلم، رزق بالبنات؟ هل ستكون فاطمة ابنته هي أحب الناس إليه؟ البنات هن أمك، وأختك، وزوجتك، وبنتك في المستقبل.

كان هذا درسًا صغيرًا لنا كطلاب في سن ما بين السادسة إلى العشر سنوات، يعلمنا أن استخدام العنف اللفظي لا يختلف كثيرًا عن استخدام العنف البدني.

قدم قبل أيام المجلس القومي لمناهضة العنف ضد المرأة شكوى إلى إدارة موقع «جوجل» لوقف بث الأغنية المتداولة حاليًا على مواقع التواصل الاجتماعي بعنوان «سالمونيلا» لتميم يونس، والتي تشتهر باسم «عشان تبقي تقولي لأ». وصرح المجلس في بيان بأن هذه الأغنية تحمل رسالة تهين المرأة وتنتقص من حقوقها، وتدعو للتنمر، وتعد تحريضًا صارخًا على الاعتداء عليها.

هل فعلًا هذه الأغنية تحمل رسالة تحريضية ضد المرأة أم هي حقيقة المجتمع الذي نعيش فيه؟ مجتمع يتصدر فيه أعلى المشاهدات لأفلام وأغاني ممثل لا يجيد إلا أدوار البلطجة، مجتمع اشتهر فيه منذ خمسينيات القرن الماضي أن المرأة التي يتزوج عليها زوجها تقطع جسده إربًا بالساطور.

مجتمع السينما فيه تثير الشهوات، وتحرض على العنف والتفنن في استعراض البلطجة، فماذا ننتظر نتيجة لذلك إلا ما حدث من اغتصاب فتاة الصعيد من ثلاثة شباب، وتحرش جماعي بفتاة المنصورة، ومراهق يقتل جاره لدفاعه عن فتاة تحرش بها هذا المراهق.

المجتمع السوي، فضلًا عن كونه مجتمعًا مسلمًا، لا ينتظر مجلسًا قوميًّا للمرأة أو مجموعة من النساء «الفيمنست» حتى يرفض مثل هذه الأعمال الفنية. المجتمع المسلم السوي يعلم تمامًا أن الرجل والمرأة على حدٍ سواء في الحقوق والواجبات وأن عقاب الله للمتعدي على هذه الحقوق لا يختلف بين الرجل والمرأة. فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إنما النساء شقائق الرجال»، شقائق في الحياة وفي التكليفات والأوامر الشرعية.

حتى في أمر الزواج يحق للمرأة أن ترفض من يطلب الزواج منها وأن يكون لها رأي، فقال النبي: «لا تنكح الأيم حتى تستأمر، ولا تنكح البكر حتى تستأذن. قالوا يا رسول الله وكيف إذنها ؟ قال: «أن تسكت».

لذلك أقول إن مثل هذه الأعمال الفنية ليست مجرد أغانٍ أو أفلام، بل حقيقة مجتمع ابتعد تمام البعد عن تعاليمه الدينية، مجتمع أصبح قدوته الباد بوي وصاحب أعمال البلطجة وبث العنف. مجتمع يعاني من مشكلات عميقة بين الرجل والمرأة، مجتمع يعيش في وطن يعاني من قلة كل الموارد التي تنتج إنسانًا سويًّا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد