كثيرًا ما يُستشهد في أثناء سرد تاريخي لحياة العرب قبل الإسلام أو عند التمهيد والتوطئة لأحداث السيرة النبوية، بقصة عبد المطلب جد النبي -صلى الله عليه وسلم-، وتتردد على الألسن عبارته التي قالها في حادثة أبرهة الأشرم حين أقدم ساعيًا لهدم الكعبة، فما كان من عبد المطلب وهو من هو لدى قومه وقبيلته، بأن نحى أغنامه وحماها، قائلًا: «للبيت ربّ يحميه»، فلم يقف في وجه أبرهة وجنده، وهو لا قِبل له بهم ولا بما يركبون، ولا طاقة له عليهم، فحمى ما كان قادرًا على حمايته مما يقع ضمن اختصاصه وملكه وتحت عاتقه ومسؤوليته، وترك شأن ما لا يقدر عليه رغم أهميته ومكانته -أي البيت الحرام-؛ موكلًا حمايته لربه، وقد كان بإمكانه أن يكابر ويقف في وجه أبرهة ومن معه والفيلة التي يعتلونها؛ فلا يغنم بذلك حماية نفسه ولا غنمه ولا الكعبة بيت الله الحرام.

إن منا، في مواقفنا الحياتية المتعددة وأحداثها المختلفة، من يراوغ كثيرًا ويكابر كثيرًا ويجرفه الطموح الجامح غير المضبوط بالوعي ولا المُناط بالقدرة وحدود الاستطاعة والمسؤولية؛ فيقدم إقدام الفارس في غير ميدانه، أو دونما استعداد، أو من غير نظر في المآل وموازنة بين الواقع والمتوقع وما هو في يديه وتحت وسعه، وما هو دونه ويعسر بلوغه، يُقدم فيفلت من بين يديه كلُّ ما كان في يديه من الأعمال الممكنة والأولويات الراهنة، فتتناثر كلها هباءً كما تتناثر ذرات التراب في مهب ريح، وهو ساعٍ إلى غاية بعيدة المنال، أو عسيرة التحقيق، أو ليس بمقدوره بصفته فردًا واحدًا في ذاته أن يغيرها ويصلح حالها!

يتشتت الواحد منا في طرق الحياة الممتدة، تأخذه أحداث أُمته الجِسام وجراحها المثخنة إلى أبعاد نفسية: من الانكسار والشعور بالعجز والهزيمة واليأس من الواقع، ولوم النفس المتكرّر والمستمر من قلة الحيلة، وانعدام الوسيلة لتغير الحال وحل هذه الأزمات العضال، فينكفئ على نفسه ويرضى بالقعود، ظانًّا أن إنهاء مآسي العالم واجبه، ونهضة الأمة مسؤوليته «بشخصه»، وينسى أو يغفل في خضم هذه الأحداث وما يصحبها من تبعات نفسية مسؤولياته الأولى ومهامه الأساس، التي سيُسأل عنها عند وقوفه أمام رب الناس، فلا هو أدى حق الله في جسده، ولا في عقله، ولا في روحه، ولا هو كذلك أدى مسؤوليته تجاه ما يرعى أو آتى ما تعلق في عنقه من التزامات حقها! فيهمل -عن غير قصد وبسوء تقدير-تزكية نفسه، وتثقيف عقله، ويضيع واجباته التي تندرج تحت مسؤوليته وتقع في سُلم أولوياته كتعليمه، أو عمله، أو دوره في إعالة أسرته ورعايتها، أو نفع من حوله من الناس ضمن ما يقع في مقدوره ويخضع لاستطاعته.

حين أَخبر النبي -صلى الله عليه وسلم- عن المؤمن القوي، وكيف أنه خير وأحبُّ إلى الله من المؤمن الضعيف -دون نفي الخيرية عن كلّ منهما- أتبع ذلك بعبارة تقطر حكمةً -كما كل كلامه صلى الله عليه وسلم- وفيها ملاك جامع لخير حال المسلم وصلاح شأنه فقال: «… احرص على ما ينفعك واستعن بالله ولا تعجز»(1)، فعلى واحدنا أن يحرص كل الحرص على ما فيه نفعه في دنياه وآخرته، ويستعين بالله، ويدفع عوامل التعجيز والتثبيط؛ فينهض بأداء ما وكل به من أعمال ومسؤوليات سيحاسب عنها يوم الحساب، ويُسأل عن سعيه فيها وجِدّه لها.

والمتتبع لخطاب الله تعالى في القرآن الكريم لأنبيائه -عليهم السلام- وفي مواطن كثيرة منه، نجده لا يحملهم -وهم المكلفون بحمل الدعوة وتبليغ أعظم وأجل رسالة- لا يحملهم ما يكون من نتاج أقوامهم في تلقيهم للدعوة وتعاملهم معها، بل حتى أن الله تعالى كان يذكر أنبياءه وفي غير موضع من كتابه أن المراد منهم البلاغ، ومحاولة الإصلاح منوطًا ذلك بقدرتهم واستطاعتهم، ومن ذلك ما جاء في قوله تعالى على لسان شعيب -عليه السلام- مخاطبًا قومه: «إِنْ أُرِيدُ إِلا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ ۚ وَمَا تَوْفِيقِي إِلا بِاللهِ ۚ عَلَيْهِ تَوَكلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ».(2)

الخلاص في الصلاح الذاتي؛ في أن يصلح أحدنا من ذاته ما استطاع، ويطورها ما استطاع، ويؤتيها حقها ما استطاع، ويؤدي ما ألقى الله تعالى على عاتقه من مسؤوليات ما استطاع، ويحرص على نفع نفسه وأهله ومن حوله ما استطاع كذلك، وإن ذلك كله لا يعني بحال أن ينسى قضايا أمته ومجتمعه ويغفل عنها؛ بل إن استذكاره لها، واطلاعه على ما يتصل بها، وتقديم ما يمكن تقديمه -ضمن القدرة والوسع كذلك- لأمر ضروري، على ألا تقعده تلك القضايا الشائكة عن واجباته، أو تحول بينه وبين إنجاز مسؤولياته، أو تعمل في نفسه عمل الانسحاب والهزيمة والشعور باليأس المُقعد عن ممارسة حياة خيرة طيبة نافعة، نلقى بها الله يوم لقائه، ونلقى بها -من قبل- أنفسنا ومن حولنا بعين الرضا والتقدير.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

صحيح مسلم،حديث رقم: 2664
سورة هود: من الآية 88
عرض التعليقات
تحميل المزيد