بعد أن سقطت نينوى من قبل تنظيم داعش في يونيو/ حزيران 2014، حاول الجيش العراقي الذي ترك المدينة آنذاك والقوات الكردية، «البشمركة» وبمساعدة التحالف الدولي برئاسة الولايات المتحدة، السيطرة على هذه المنطقة الإستراتيجية والمهمة جدًّا، حيث قربها من سوريا وتركيا، ولكن دون جدوى. وتم ترك المحافظة لمدة عامين وأكثر بيد التنظيم المتطرف الذي رسخ جذوره في هذه المحافظة الكبيرة.

الآن نحن في عام 2016، دخلت معركة نينوى حيز التنفيذ بعد أن انتظرها العالم أجمع، وكل الأبصار شاخصة لتلك المدينة التي تحتوي على الآثار الدينية والتاريخية، والتي أباد معظمها «داعش».

أخذت معركة الموصل أهميتها كونها المعقل الأخير والأقوى للتنظيم في العراق، واستطاعت الولايات المتحدة تهيئة الأجواء المناسبة لهذه العملية قبل انطلاقتها، مع كثرة اللاعبين في تلك المعركة التي تعتبر «من أصعب المعارك وأقساها وقد تطول كثيرًا» بحسب رأي البنتاغون والكثير من القادة السياسيين والعسكريين العراقيين، وآخرهم السيد مسعود برزاني رئيس إقليم كردستان العراق.

بدأت المعركة ودخلت يومها الرابع والجميع يشيد بدور القوات الأمنية والعسكرية المشتركة بالمعركة، وأن المعركة تجري كما هو مهيأ لها مسبقًا. لكن، مع اختلاف أن التنظيم ما يزال يقاتل وبشراسة، ويستميت بالدفاع عن معقله الأخير على غير ما جرى في مناطق الفلوجة، وبعض أحياء الرمادي والكرمة والصقلاوية، والتي هرب منها التنظيم ودخلتها القوات الأمنية.

توقيت معركة الموصل لم يأتِ من فراغ أو محض صدفة عابرة بالنسبة للإدارة الأمريكية، خصوصًا مع قرب الانتخابات الرئاسية الأمريكية، ومحاولة تحقيق أي شيء يحسب لأوباما في العراق، وإعادة الوضع إلى ما كان عليه قبل دخول تنظيم داعش إلى مناطق العراق، حيث كان الوضع العراقي شبه مستقر آنذاك، مع وجود بعض الخروقات التي كانت تحدث هنا وهناك في العاصمة العراقية بغداد، وبعض المناطق الأخرى في ديالى وصلاح الدين.

إن إدارة الولايات المتحدة حاولت قبل بدء المعركة، وأعلنت أكثر من مرة أن مهمة قواتها هو الدعم الجوي، وعدم التدخل البري مطلقًا، إلا أن متطلبات المعركة، وهشاشة الوضع، واستماتة التنظيم على عدم ترك مناطقه، جعل من تفكير واشنطن يختلف بعض الشيء عما كان سابقًا، خصوصًا وأنها حاولت خلق قوة سنية قد توازن من خلالها القوى المتصارعة للسيطرة على الموصل، والتي يسكنها الكثير من المكونات والطوائف والقوميات، وكلُّ طرف يحاول تحقيق نصرٍ يحسب لصالحه ولا يهمه الآخرين.

كل شيء وارد في أي معركة، وتم الاتفاق مؤخرًا على تقسيم المهام على القوات المتوجهة لتحرير نينوى، وكلُ قوة باتت تعرف ما يجب عليها فعله، والمنطقة المناطة بهم بغية تحريرها، لكن ما لم يتم التطرق إليه لا في هذه المعركة ولا قبلها معركة الفلوجة والصقلاوية، هو ما هو مآل أهل المدينة بعد تحرير المنطقة، وما هي الاستعدادات التي هيأتها الحكومة لأبنائها المواطنين العزل الذين باتوا بين نارين كليهما مر.

الإفلاس الحكومي ، وانخفاض أسعار النفط عالميًّا كانت سببًا كبيرًا لقلة الدعم للنازحين؛ حيث إن خزينة الدولة باتت خالية من الأموال بعد الأموال الطائلة التي صرفت مؤخرًا على العمليات العسكرية، وملايين الدولارات التي صرفت على «الحشد الشعبي»، والذين يتم أخذ مرتباتهم من استقطاع مبالغ من موظفي الدولة.

ميزانية العراق لهذا العام، والذي قال عنه العبادي بأنه عام الخلاص من تنظيم داعش، ميزانية خالية من أي مساعدة للنازحين، مع العلم بأن أوضاعهم باتت مزرية؛ حيث إن سكان نينوى لم يستلموا رواتبهم منذ عامين أو يزيد، باستثناء المتقاعدين حيث تم إيقاف صرف رواتبهم بعد قرار الحكومة منع صرف مبالغ الموظفين تحت سيطرة التنظيم.

معركة نينوى إن كتب لها أن تكون مثل معركة الفلوجة والصقلاوية فستكون بشارة خير لأهل المدينة بأن مدينتهم ستعود لهم بأقل الخسائر، وإن كانت بعض المليشيات قد عاثت فسادًا بتلك المناطق وسرقت الكثير من المنازل، أما أن أصر التنظيم على القتال واستمات على ذلك كما جرى في بعض مناطق بيجي والرمادي، فسيكون الوضع مأساويًّا، حيث يقبع تحت حكم التنظيم الآلاف من المدنيين ممن لا حول ولا قوة لهم، وينتظرون تحريرًا لا تراق به دماء، لأن قلوبهم ملت بطش وظلم «داعش» على مدار العامين المنصرمين!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد