تابعت في رمضان الفائت مسلسلا وحيدا هو مسلسل سمرقند، بطولة الممثل السوري (عابد فهد) ومجموعة ممثلين عرب من الجزائر (أمل بوشوشة) والمغرب (ميساء مغربي). ما شدني بداية في المسلسل لم يكن الممثلين، ما شدني كانت ملابسهم حيث كانت تلمع بضياء ما، وكان لها سحر خاص جذب عيني فقررت أن أتابعه لتتكشف أمامي نقاط كنت قد قرأت عنها في كتب التاريخ وتخيلتها لكني لم أعاينها.

في البداية أود أن أسجل إعجابي بالديكورات، فهي مختارة بعناية وفي قمة الفن والروعة، وهي إن وشت بشيء فإنها تشي بذوق رفيع، كذلك ملابس الممثلين والممثلات كانت في غاية الجاذبية ـ خصوصا ملابس السلطان ملك شاه ووزيره نظام الملك وعمر الخيام ـ ملابس تشعرك بالعظمة والأبهة اللتان كان يحيا فيها هؤلاء القوم، أيضا لا ننسى ملابس الجواري والسلطانة تركان خاتون والفرق الواضح بينهما في لفتة توضح لنا طبقية لا تخطئها العين، إذن الصورة البصرية جميلة ومدهشة ومبدعة وتستحق أن تحصل على تقدير ممتاز.

نأتي إلى أداء الممثلين، عابد فهد الذي يقوم هنا بدور الحسن بن الصباح زعيم طائفة الحشاشين وهي طائفة باطنية اتخذت من قلعة ألموت حصنا لها وقد أسسها الحسن بن الصباح لاغتيال الشخصيات العامة والبارزة في الدولة، ويحكى عن أتباع هذه الطائفة أنهم كانوا شديدي الولاء للحسن بن الصباح، حتى أن الحسن كان يتمشى ذات يوم مع أحد ضيوفه في القلعة وقال له مفاخرا: إنه وبإشارة من يده سيجعل هذا الجندي الذي يحرس القلعة في برج المراقبة هناك يهوي من حالق! فتعجب الضيف، فما كان من حسن بن الصباح إلا أن رفع يده ثم أنزلها بقوة فرمى الجندي نفسه من البرج فخر صريعا في الحال.

تقول كتب التاريخ إن سبب طاعة أتباع الحسن بن الصباح له هو أنه كان يخدرهم بنبتة الحشيش- ولعل ذلك سبب تسميتهم بالحشاشين- ثم يكفنهم ويضعهم في بستان أو واحة كان قد أعدها مسبقا، فيها ما لذ وطاب من طعام وشراب وخمر وجواري، وعندما يقوم التابع تقول له الجواري إنه في الجنة وأنه قد دخل الجنة ببركة دعاء وشفاعة الحسن بن الصباح، وهنا يفرح التابع ولا يصدق نفسه من فرط الفرح والحبور، وبعد أن يقضي وقتا سعيدا مع الجواري والغناء والطرب يسقونه شرابا مخدرا ليتم تكفينه مرة أخرى وإهالة بعض التراب عليه حتى إذا قام استقبله الحسن بن الصباح فيقول له: لقد أغمي عليك فيحكى له التابع ما جرى وهنا يقول له الحسن لقد دخلت الجنة بسبب شفاعتي، لذا فلكي تدخلها مرة أخرى يجب عليك طاعتي.

من الممكن أن يقول البعض كيف أنهم لم يفكروا أن يكون ذلك مجرد حلم، وربما يكون الرد أن أكثر من واحد قد رأى نفس المشاهد وبالتالي فلن يشكوا فيما رأوه، البعض الآخر يشكك في تلك القصص ويقول إنه ما كان هناك حشيش أوغيره.

كان أداء باهتا لعابد فهد، لا أدري، لكني لم أحس شر شخصية الحسن بن الصباح إلا في مواضع قليلة ربما (السكريبت المكتوب) لم يعط له فرصة للإبداع، لم قبله إذن؟!

أداء ميساء مغربي والتي جسدت شخصية تركان خاتون كان مبالغا فيه كذلك ماكياجها.

أما عن نرمين -وصيفة الملكة– الدور الذي جسدته الجزائرية أمل بوشوشة فلا محل له من الإعراب، لست أدرى ما فائدتها في المسلسل سوى أنها تحب عمر الخيام وتذهب لتنقل رسالة تركان خاتون للحسن بن الصباح مع رقصة ليس لها أي قيمة في السياق الدرامي للمسلسل اللهم إلا إرضاء معجبيها.

عمر الخيام، قام بتجسيد تلك الشخصية الممثل اللبناني الوسيم يوسف الخال وهو هنا يجسد الجانب الخير من الإنسان في مقابل الجانب المظلم وهو الحسن بن الصباح، فهو هنا الشاعر والرياضي والفلكي الذي يحلم بمرصد، والذي يأمر السلطان ملك شاه ببنائه له، ففي حين نرى الحسن يبدع في اغتيال خصومه ومناوئيه، نرى عمر الخيام يبدع في البناء والتشييد ووضع تقويم لدولة السلاجقة.

الجو العام للمسلسل يوحي بأن الأمراء والسلاطين لم يكن لهم هم إلا إفراغ شهواتهم مع الجواري والإماء مع خيط رفيع من الأمل والخير يتمثل في نظام الملك، وزير ملك شاه وعمر الخيام ناهيك عن المكائد والدسائس التي يمتلئ بها البلاط السلطاني متمثلا في تركان خاتون وكيف أنها تريد أن تأخذ العرش لابنها بأي ثمن.

وفي النهاية يبقى المسلسل تجربة جيدة لمؤلفه محمد البطوش ومخرجه إياد الخزوز، ولا ننسى قبل أن نختم أن نقدم تحية إلى مؤلف موسيقى التترات لا أتذكر أين سمعتها قبل ذلك، لكنها جميلة على أي حال.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد