لاشك أن الجميع تفاجأ بسماح النظام الحالي في مصر بحركة سامي عنان في ما يمكن أن يسمى بانتخابات الرئاسة القادمة، إن صحت التسمية.

فالنظام الذي رد أحمد شفيق إلى حدود شقته، وحدد حركة جمال مبارك السياسية، لم يستطيع أن يفعل هذا مع سامي عنان، لماذا؟

نعلم جميعا أن رأس النظام في مصر، لم يكن محنكًا، ولا داهية، لا في السياسة، ولا في مجال اختصاصه (المخابرات الحربية). وأداؤه وقت الثورة، ودخول أسلحة من جهة ليبيا إلى مصر، وما يحدث الآن في سيناء، يؤكد أن صعود الرجل لم يكن له أية علاقة بكفاءته العسكرية، ولا حنكته السياسية ، بل له علاقة بإيصاله إلى كرسي الرئاسة من قبل جهات قوية من الداخل؛ ليكون واجهة تدير المشهد لهم، دون إغفال علاقات الرجل بالأمريكان منذ أن كان يتدرب هناك ويدرس في كلية الحرب التابعة للجيش الأمريكي عام 2006.

والذين يرددون لليوم أنه استطاع بحنكته ودهائه خداع جماعة الإخوان، لا يدرك حقيقة أثبتتها التجارب والسنوات، وهى أن الجماعة لم يكن لديها القدرة على إدارة مشهد سياسي واحد بشكل منظم وسليم، وأن الجماعة تربي عناصرها – عامدة أو جاهلة – على سهولة الانخداع بالأشخاص، هذا أولًا.

ثانيا: كانت الجماعة وحدها هي من انخدع، وتحاول خداعنا بالرجل، بالرغم من كافة التحذيرات التي قيلت في حقه وقتها، وظهور نواياه في ميدان التحرير، وفي ميدان كشوف العذرية كذلك.

وعليه فهناك جهة داخلية ما كانت متفقة مع رأس النظام في مصر على خط محدد، ويبدو أن علاقات الرجل الخارجية، والدعم الذي يحصل عليه من الخارج، نظير ما يقدمه بشكل، لا أقول مسبوق، بل جنوني، فيما كان يناقش سابقًا مع من سبقه من رؤساء، جعله يفكر في الانفراد ويخالف هذا الخط.

ولأن صعوده يبدو قريبًا من مشهد صعود السادات من قبل (مراكز القوى)، مع الفارق في كون السادات – وإن اختلفنا معه – كانت لديه مرونة في الحركة، وقدرة على المناورة، وكسب بعض المعارك لصالحه.

ولأن الرجل يدير ملفات مصر كلها كما أدار المخابرات الحربية، والتي يُظهر كفاءتها بقوة ما يحدث في سيناء، وتمكن الجماعات المسلحة من دخول العمق المصري بدلًا عن الأطراف، ناهيك عن سد النهضة وتيران وصنافير، والثلاثة مشروعات التي تتم في اليوم الواحد، وهلم جرا.

ولأن قاع الرجل لا يبدو له قاع ، قررت هذه المجموعة الدفع برجل من الداخل؛ لوقف نزيف المشهد الفج، وللسيطرة على انفراد لم يكن متفقًا عليه.

وسامي عنان يفترق عن السيسي عسكريًا ونفسيًا في كون عنان شارك بحرب الاستنزاف، وحرب أكتوبر ضد المحتل الصهيوني، بينما السيسي لم يشارك، بل يمكن أن نسميه من جيل (كامب ديفيد)، وهذا ربما يحدث فارقًا في مستوى خط القبول والرفض، تمامًا كالخط الذي كان بين عرفات ومحمود عباس. كذلك يحدث فارقًا شديدًا في التأثير الداخلي على الجيش.

ماذا يفيد فوز عنان الآن؟

يفيد فوز سامي عنان الآن في:

_ تحريك المشهد الراكد، وليس تغييره.

_ وقف الصعود الجنوني لتطرف الدولة ضد الشعب.

_ خلق حالة ممكنة من الحراك السياسي.

_ هدوء حذر من الجماعات المسلحة التي يغلب على كثير منها طابع الثأر من النظام الحالي، بعيدًا عن الجماعات الموجهة بـ(الريموت كونترول).

_ خلق مناخ اقتصادي مستقر، بدلًا عن هذه (المراجيح) التي ركبتها الدولة منذ الانقلاب العسكري الأخير.

_ كسر حاجز البقاء، الذي إن تم فهناك على الأقل عشرين سنة قادمة من القمع والانهيار في كل شيء، قبل التفكير في حراك من أجل التغيير، هذا إن عشنا هذه المدة أساسًا.

وهذا يمثل حالة جيدة ومناخًا مقبولًا للحالمين بالتغيير، وللباحثين عن ثقب للتنفس في هذه الحجرة المكدسة بالطعام الفاسد.

لكن يمكن أن يكون الصعود مجرد فخ!

هذا وارد أن يكون، فيدخل عنان ويخرج السيسي، ويكون كل ما تم هو مجرد تبادل أدوار ليس أكثر، ويكون عنان هذه المرة قد أتى بانتخابات مقبولة، وبإراده شعبية، إن سمينا الضرورة إرادة.

لكن سواء كان الحراك حقيقيًا أم مخادعًا، وسواء كان الدافع مصلحة الوطن، أو التغيير الشكلي لتنفيس الضغوط التي تراكمت بشكل كبير، فإن وجود حالة مثل حالة الفريق سامي عنان اليوم مهمة.

ونجاح الرجل سيمثل خطوة إيجابية كبيرة، مقارنة بهذا السواد الذي يحيط بالشعب والوطن.

ولن نخسر أكثر مما نخسره كل يوم، وبالرغم من ذلك، فهناك مكسب حقيقي بتلك الروح التي يمكن بثها من حراك كهذا، والاستفادة من تلك المكاسب البسيطة لصالح الشعب والدولة.

وعلى المعارضة أن تُظهر لنا أنها استفادة من دروس الأمس، وأنه يمكن الاعتماد عليها، وأنها تعلمت كيفية الحصول على المكاسب البسيطة الممكنة وقبولها، وليس البحث عن التمكين المطلق الذي لا يمكن أن يأتي مرة واحدة، إلا في حالة القوة بمعناها الشامل، وهي مفقودة اليوم، بعدما ولت بخسارة يناير أمام يونيو.

وأن تكف عن التوقف عن أخذ الخطوات المحسوبة والمدقق فيها، نتيجة رهابها الدائم من الأنصار، إن كان هناك أنصار ما يزالون في صفوفهم.

وأن تلبس نظارة الواقع، وليس نظارة المأمول والواجب والكامل، بل نظارة الممكن والمتاح، وإن خالفت مشروعاتها وأفكارها في كثير.

وأن تقدم مشروعًا موحدًا لسامي عنان يكون لها فيه مكسب واضح، وتقبل فيه بالتنازل الواضح، وتعمل فيه بحذر كبير.

وليس المطلوب منها الظهور في العلن، لتظهر أمام المتربص والجاهل بمظهر المغير لجلده؛ لأنه من الممكن أن يكون سيناريو الفخ حقيقيًا، فيكون مقدار الخسارة بما يمكن تداركه.

وليس مطلوبًا منها الإضرار بالفرصة السانحة، بوضع كروت سوف يستخدمها النظام في صالح هدم الحركة البسيطة؛ لأن الحراك البسيط ليس في صالح أنظمة كهذه مطلقًا، مثلما فعل بعض المحسوبين على تيارات تستغل الدولة تصنيفها في ضرب كل حراك أو صعود نحو التغيير.

بل المطلوب فتح قنوات للتواصل عن طريق غير المصنفين إلا بحبهم للوطن، ليكونوا حلقة الوصل بينهم وبين عنان، البعيدين عن الأدلجة تاريخيًا وحراكًا، الذين يصعب على النظام تصنيفهم، اللهم إلا تصنيف العمالة والخيانة الذي يطال كل من يبحث عن رفعة هذا الوطن واستقراره من أنظمة كهذه.

وعلى الحالمين بعودة الرئيس المنتظر أن يكفوا عن أحلام كهذه؛ فالرجل ليس حلمًا للمصريين، ولم يكن يومًا.

ولو قال البعض: لكن للرجل شرعية! لقلت له:

وهل يُبنى اليوم عليها عمل؟

وهل الناس اليوم متلهفة منتظرة عودة الرئيس الغائب حتى نحمل صوره وندافع عن عودته؟

وهل عمل الرئيس للشعب؛ حتى يعمل الشعب له؟

فلو قال مستدركًا: لكن يجب أن يدرك العالم الحر أن الشرعية واجبة الاحترام!

لقلت له:

قد علم العالم الحر بما تم ولم يبال، بل من تحركوا ضد الانقلاب المصري ضيق العالم الحر الذي تود مخاطبته على بعضهم، ودبر انقلابًا عسكريًا فاشلًا على البعض الآخر!

والعالم الحر لا يعبأ بالإنشاء والصراخ، ولا يعبأ بجثث المظلومين أو آهات الثكالى، وإن ضربوا بالكيماوي والبراميل المتفجرة، والرصاص الحي في المظاهرات السلمية، ولا بأعداد المعتقلين الذين لم تعد السجون تكفيهم؛ فأنشئت لهم سجون جديدة، اللهم إلا من أجل المساومة والتسوية في قضايا معينة.

لكن النظام العالمي الحر يعبأ بما تضغط به على رقابهم حتى يذعنوا، أو ينظرون إليك كخصم قوي يخشون معاداته، وقتها.. ووقتها فقط ينصتون لك، ويصافحونك بحرارة.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد