يعدّ الفنّ مرآةً من المرايا التي تسلط الضوء على التراث الشعبي؛ حيث نقل تصوّرًا عن واقع النّاس، وأحوالهم الاجتماعية في مختلف الحقب الزمنية، كما امتاز بقدرته على التطوّر والتأقلم مع مجريات الأحداث المحيطة فيه، وتنوّعت الفنون الإنسانية ما بين الغناء والعزف والتمثيل والاستعراضات الفولكلورية، واستمرت تنتقل من جيل إلى جيل؛ حتّى باتت جزءًا أصيلًا من الذاكرة الشعبية، وموروثًا ثقافيًا وحضاريًا، لا يمكن إنكار مدى تأثيره المهم في حياة الشعوب.

إن النجاح الذي حصده الفنّ يقوم بشكلٍ أساسي على الفنانين الذين يكرسون حياتهم له، فيعتمد استمرار بقاء الفنون، وتحقيق رسالتها على دور كل فنان في نقلها باحترافية عالية، وشكّل الفن التمثيلي المسرحي والتلفازي والسينمائي عنصرًا مهمًا من العناصر الفنية، التي ما زالت تحقق إنجازات في شتى المجالات، ولم يأتِ النجاح الذي تحصده المسرحيات والمسلسلات والأفلام؛ إلا من خلال وجود أشخاص مبدعين ساهموا في نقلها إلى النّاس، لعلّ أهمهم الممثلين الذين برعوا في تقديم أدوارهم، ومنهم من ترك بصمةً لا يمكن نسيانها مع مرور الزمن، ولا ترحل حتّى لو رحلوا عن الحياة، وآخر الراحلين من المبدعين هو الفنان المبدع سمير غانم.

من حياة سمير غانم

ولد سمير يوسف غانم في محافظة أسيوط، في قرية عرب الأطاولة، كان والده يعمل ضابط شرطة؛ لذلك قرر أن يسيرَ على نهجه، فالتحق في كلية الشرطة، ولكن لم ينجح فيها، ورسب أكثر من سنة، فانتقل للدراسة في كلية الزراعة، وأثناء ذلك انضم إلى الفرق الفنية هناك، وخلال فترة الستينيات من القرن العشرين، أسس فريقًا مسرحيًا كوميديًا مع الفنانين جورج سيدهم والضيف أحمد، وعُرِفَ هذا الفريق باسم (ثلاثي أضواء المسرح) وحصل على شهرة واسعة جدًا؛ ممّا ساهم في انتشار عروضه المسرحية في مختلف محافظات ومناطق مصر، وفي عددٍ من الدول العربية، وانتهى الفريق المسرحي بوفاة الضيف أحمد، مع استمرار التعاون بين سمير غانم وجورج سيدهم بمجموعة من الأعمال المشتركة.

تميّز الفنان سمير غانم بموهبته العبقرية، والتي تركت أثرها في ذاكرة المشاهدين؛ لأنه حرص ببساطته وعفويته على صناعة الضحك، سواء بالفكاهة أو الخروج أحيانًا عن النص المكتوب للعمل، خاصّة الأعمال المسرحية، التي ابتدع فيها حوارًا فكاهيًا يضحك الممثلين المشاركين معه والحضور، ليعلو صوت التصفيق عند انتهاء كل مشهد، فصار اسم سمير غانم لقبًا بحدِّ ذاته، وعنوان نجاح لأي عمل يقدّمه، ورمزًا من رموز الفنّ والكوميديا العربية.

من إبداعات سمير غانم في عالم الفن

شارك الفنان سمير غانم في إثراء المكتبة الفنية المصرية والعربية، بمجموعة من الأعمال المسرحية والتلفزيونية والسينمائية، وشكّلت جميعها جزءًا من ذاكرة الفنّ العربي، وحياة النّاس اليومية، وما زالت كثير من إبداعاته الفنية تعرض على شاشة التلفاز؛ لترافق المناسبات السعيدة والأعياد والاحتفالات، وسأسلطُ الضوء على بعض من أهم هذه الأعمال:

المتزوجون

من منا لا يعرف العلامة المميّزة، والمرافقة للأعياد عبر سنوات طويلة، كما أنها من أولى المسرحيات التي تعرضُ على القنوات التلفزيونية، لتكون تميمة حظ كل شاشة تريد لفت انتباه المشاهدين، والترفيه عنهم، وإدخال السرور إلى قلوبهم؛ وهي المسرحية الكوميدية الرائعة (المتزوجون)، التي أنتجت عام 1976، وتتحدث عن قصة حياة الشاب الفقير والطموح مسعود (سمير غانم)، ورغبته في الخروج من حياة القبو الذي يعيش فيه مع زميله وصديقه حنفي (جورج سيدهم)، فيتزوج مسعود من لينا (شيرين) المعجبة بحياة القبو وبساطة أثاثه ومكوّناته، دون موافقة أبيها الثري، وتدور الأحداث بين رغبة مسعود للانتقال والعيش في منزل والدها الفخم، ورغبة لينا في استمرار حياتها البسيطة داخل القبو.

أرى أن النجاح الذي حققته مسرحية المتزوجون، شكّل مرحلة مهمة من المراحل الفنية في حياة الفنان سمير غانم؛ ويعود لعدّة عوامل، ومنها المشاهد التي حملت معها كوميديا الموقف، واستخدام مفردات بسيطة تحاكي الواقع الاجتماعي لدى النّاس، وهذا ما يدفعُ كثيرًا من المشاهدين على متابعة المسرحية كلما عُرِضتْ، ويضحكون على كل مشهدٍ فيها، كأنهم يشاهدوهُ للمرّة الأولى، وساهم ذلك في استمرار عرضها منذ سبعينيات القرن العشرين إلى هذا اليوم، لتتعرف كثير من الأجيال المتعاقبة على قصة حياة مسعود، المختزلة في هذه المسرحية الإبداعية.

أهلًا يا دكتور

تعدّ مسرحية أهلًا يا دكتور من المسرحيات المشهورة جدًا، وشهدت على ثنائية رائعة بين الفنانين سمير غانم وجورج سيدهم، فشكّل كلٌ منهما نقيضًا للآخر، فالطبيب نادر (سمير غانم) ابن عائلة مشهورة، صار طبيبًا؛ بسبب والده الذي يعمل عميدًا لكلية الطبّ، واستغل عمله في تحقيق الثراء السريع، أمّا الطبيب زناتي (جورج سيدهم) فهو طبيب التزم بأخلاقيات مهنة الطبّ، وحافظ على تأدية رسالته الوظيفية بأمانة. وحققت مسرحية أهلًا يا دكتور نسب مشاهدة عالية؛ لأنها تتحدث عن مجموعة من المظاهر الاجتماعية السلبية السائدة، والتي ساهمت في تسليط الضوء عليها.

فوازير فطوطة

فطوطة؛ هي شخصية لازمت الفنان سمير غانم سنوات طويلة، وشكّلت أيقونة جماهيرية؛ حيث أثّرت بحجمها الصغير، وحركاتها المرحة، ونبرة صوتها في مختلف الأجيال، وعُرِضتْ فوازير فطوطة للمرّة الأولى في ثمانينيات القرن العشرين، ثم ظهرت في أكثر من عملٍ تلفزيوني في سنوات متلاحقة، كما أنتج لها في عام 2010 مسلسل رسوم متحركة، حمل اسم (فطوطة وتيتا مظبوطة).

اليوم الذي بكى فيه الجمهور

عاش الفنان سمير غانم حياته لا يبحث إلا عن إضحاك الجمهور، ولكن في العشرين من شهر مايو (أيار) 2021، كان اليوم الوحيد الذي أبكى فيه الجمهور، فقد رحل عن عالمنا بعد مسيرة مليئة بالعطاء والإبداع، امتدّت أكثر من 60 عامًا، فبكاهُ النّاس باختلافهم عن بعضهم بعضًا في كثير من الأشياء، ولكنهم اتفقوا جميعًا على حُبِّه، والدعاء له بالرحمة، وخرجوا يودّعونه في رحلتهِ الأخيرة، بعد أن رسم البسمات والضحكات على وجوههم، فوداعًا سمير غانم.. صانع السعادة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد