الأفارقة لم يكونوا أناسا بدائيين متخلفين قبل أن يكتشفهم الأوربيون، بل كانوا شعوبا واعية أقاموا حضارات وممالك، ولكن الاحتلال نجح ببراعة في طمسها، بل ووصفوها دائما بأنها القارة المتخلفة وقد رسخوا داخل العقول من خلال أفلامهم وكتبهم أن أفريقيا ما هي إلا قارة مظلمة بلا حضارة، يسكنها جماعة من الهمج المتوحشين يأكلون لحوم البشر، يهيمون في البراري والغابات شبه عراة.

لكن الحقيقة أنه عندما وطأ المحتل الأوربي أرض إفريقيا لم تكن مظلمة ولا سكانها بدائيين، متخلفين يهللون للمحتل من أجل حفنة خرز أو بعض الحلوى، بل كانوا أصحاب حضارات عظيمة وزعامات رائعة، أخضعوا مجبرين تحت وطأة السلاح الأوربي وجبروت معاهدات تشين المحتل قبل أن تشينهم، ومن أمثله تلك الحضارات والزعامات:

 

مملكة الماندنجو وزعيمها المجاهد ساموري توري

من هو ساموري توري؟ وكيف أنشأ إمبراطوريته المتنقلة! كما أسمتها فرنسا؟

هو الأمام المجاهد ساموري توري أحد الزعماء الأفارقة المسلمين الذين لعبوا دورًا مهمًا في غرب القارة الأفريقية قبل الاستعمار وبعده، ولد عام 1835م في جمهورية غينيا، تلقى ساموري في صباه تعليما دينيا على يد والده لافيا توري وأكمل تعليمه الديني على يد أحد المرابطين. وعند بلوغه الثامنة عشر من عمره أرسله والده إلى صديق له بساحل العاج ليتعلم تجارة السلاح، ومن خلال ذلك عرف ساموري أماكن الحصول على السلاح.

أُسرت والدته من قبل ملك بيساندوغو الوثني, وكان السبيل الوحيد للإفراج عنها هو أن يكون ساموري  في خدمة ذلك الملك لمدة سبع سنوات، وفي خلال تلك المرحلة استطاع أن يتدرب على فن قيادة الإغارة والحروب، فبدأ يفكر في بناء إمبراطوريته الإسلامية من قبائل الماندنجو, التي نجح في توحيدها تحت زعامته.

وقد لعب ساموري دورا كبيرا في غرب أفريقيا واصطدم بالفرنسيين ودام الصراع بين الطرفين أكثر من عشرين عاما, نجح ساموري خلالها في بث الفزع والرعب في قلوب الفرنسيين, حتى إن كثيرا من القادة الفرنسيين وصفوه بأنه بونابرت السودان.

وفي سنة 1884م جمع ساموري توري أهله في احتفال وأعلن لهم أنه سيلقب نفسه بلقب الإمام، وطلب من أهله ورعاياه أن يعتنقوا الإسلام، ومنع الخمر شربًا وبيعًا في مملكته، ومنع العادات الوثنية، وبدأ في تطبيق الشريعة الإسلامية.

وقد ركز ساموري نشاطه العسكري نحو الضفة اليمنى لنهر النيجر, تجاه القرى الغنية بالخيول والملح، واتخذ من بلدة بيساندوجو عاصمة لملكه، وأقامها على الجهاد في سبيل الله.

 

ويمكن تقسيم دولة ساموري إلى ثلاث مراحل:

  1.    المرحلة الأولى اتسمت ببناء مجتمع جديد ودولة جديدة وذلك قبل عام 1884.
  2.  والمرحلة الثانية امتدت 1885-1888 واتسمت هذه المرحلة بالصبغة الدينية وإعلان ساموري الجهاد لنشر الإسلام بين الوثنيين, وفتحه العديد من المدارس لتحفيظ القرآن والتوسع في إنشاء المساجد.
  3.    أما المرحلة الثالثة والأخيرة, فتبدأ من عام 1889-1898 وقد اصطبغت بالصبغة العسكرية.

وقد اصطدم ساموري بالفرنسيين طوال المراحل الثلاث ولكن اختلفت حدة هذا الصدام من مرحلة إلى أخرى.

 

تكونت إمبراطورية الماندنجو من 162 إقليم وفي كل إقليم عشرون قرية. وقد فرض ساموري توري على زعيم كل قرية أن يأتيه بمجموعة من الشباب الصالحين للجندية، وقد قسم جيشه ثلاثة أقسام:

  1.  أقواهم جعلها قائمة في وجه الفرنسيين؛ ليمنعهم من التدخل في البلاد.
  2. والقسم الثاني جعله لحفظ الأمن في بلاده.
  3. والقسم الثالث جعله للتوسعات والفتوحات الجديدة للقضاء على الوثنية ونشر الإسلام.

وكالعادة, فإننا لا نهزم إلا نتيجة الخيانة! هُزم الإمام نتيجة خيانة, حيث ابتلي ساموري بعدو مسلم اسمه تيبا، ساعد الفرنسيين كثيرًا في ضرب ساموري حتى اضطر لهدنة, تنجلي بموجبها قواته من الضفة اليسرى لنهر النيجر, ويعترف باستيلاء فرنسا عليها، مقابل أن تعترف له فرنسا بملكيته للضفة اليمنى من النهر.

 

وقد أطلقت فرنسا على مملكة ساموري “الإمبراطورية المتنقلة”، لأنه كان كلما فقد جزءًا من مملكته عوضه بأجزاء أخرى من الممالك الوثنية المجاورة, فكأنه لم يفقد شيئًا وإنما غير حدود مملكته. بهذا ظل الإمام المجاهد شوكة صلبة في وجه الفرنسيين, كبدهم فيها خسائر مهولة, ورغم الهزيمة يكفيه شرفا، أنه أقام دولة نشرت الإسلام وحاربت الوثنية، ويكفيه أنه وقف أمام دولة عظمى آنذاك أذاقها الهزيمة مرات عديدة، ووحد شعب المانديجو بعد أن كان قبائل متناثرة وعشائر متناحرة.

 

ومن أعظم مواقف الإمام المجاهد, هو أن الفرنسيين اختطفوا ولده وساوموه على رده بمساومات لم يرضها فلم يقبل, فأخذوه إلى فرنسا ست سنوات، واستطاعوا التأثير عليه, وتغيير أفكاره ليصبح منهجه مخالفًا لمنهج أبيه, وأرسلوه إلى أبيه ليقنعه بترك الجهاد، وهنا تجرد ساموري توري لله تعالى، وعظمت عنده عقيدة الولاء والبراء، وقتل ولده في مشهد عام بين الناس حتى لا يؤثر على حركة الجهاد.

فهذه الأرض لم يفقدها أصحابها بسهوله, ولم يستردوها أيضا بسهولة، بل كان الثمن في الحالتين دماء أبنائها التي روت الأرض، ولكن بعد كل هذه الدماء, كان الاستقلال صوريا, والحرية وهما, فالمحتل روج دعاية خبيثة، أن الأفارقة لا يستطيعون أن يعيشوا أحرارا، وأن العبودية حالة أفريقيا بامتياز, وجدت قبل مجيء الرجل الأبيض للقارة السوداء، وأن اقتناص العبيد عبر خمسة قرون وشحنهم في القيود ما هو إلا تحرير لهم من التخلف.

رحم الله الإمام المجاهد

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

- كتاب المسلمون والاستعمار الأوربي لأفريقيا
- بحوث ودراسات وثائقية في تاريخ أفريقيا الحديث عن قبائل الماندينجو
عرض التعليقات
تحميل المزيد